كتب : طارق الحديوى
لم تعد المكالمات الاحتيالية التي تستهدف عملاء البنوك تعتمد على الحيلة وحدها، بل أصبحت تستند إلى معلومات دقيقة تمنح المحتالين قدرا كبيرا من المصداقية أمام الضحية. فالاسم الكامل، ورقم الهاتف، وأحيانا أجزاء من بيانات البطاقة البنكية أو معلومات عن الحساب، أصبحت في حوزة بعض العصابات، وهو ما يطرح سؤالا بالغ الخطورة: من أين جاءت هذه البيانات؟
خبراء أمن المعلومات يؤكدون أن وصول المحتالين إلى بيانات العملاء لا يحدث عبر سيناريو واحد، وإنما من خلال عدة مسارات، أبرزها اختراق قواعد البيانات، أو تسريب المعلومات من شركات أو تطبيقات تحتفظ ببيانات المستخدمين، أو شراء قواعد بيانات يتم تداولها بشكل غير قانوني عبر شبكات متخصصة في الجرائم الإلكترونية.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل ما كشفته تحقيقات وقضايا في عدد من الدول، والتي أظهرت تورط أشخاص لديهم صلاحيات للوصول إلى بيانات العملاء داخل جهات تقدم خدمات مالية أو تتعامل مع تلك البيانات، حيث استغل بعضهم مواقعهم الوظيفية في تمرير معلومات سرية إلى شبكات احتيال مقابل مبالغ مالية، وهو ما يعكس خطورة ما يعرف بـ”التهديد الداخلي”، الذي يعد أحد أكبر التحديات التي تواجه المؤسسات المالية.
ويرى متخصصون أن حماية بيانات العملاء لم تعد مسؤولية البنوك وحدها، بل تمتد إلى كل جهة تجمع أو تخزن أو تعالج هذه البيانات، سواء كانت شركات اتصالات أو تطبيقات إلكترونية أو منصات خدمات أو شركات تمويل، مؤكدين أن أي ثغرة في منظومة الحماية قد تمنح المحتالين مدخلا للوصول إلى معلومات حساسة.

ويشدد الخبراء على ضرورة تطبيق أعلى معايير الأمن السيبراني والحوكمة، مع فرض رقابة صارمة على صلاحيات الوصول إلى البيانات، ومراجعة عمليات الاطلاع عليها بشكل دوري، إلى جانب توقيع عقوبات رادعة على أي شخص يثبت تورطه في تسريب معلومات العملاء.
وفي المقابل، تكثف البنوك حملات التوعية بشكل مستمر لتحذير العملاء من أساليب الاحتيال الإلكتروني، مؤكدة أنها لا تطلب مطلقا عبر الهاتف أو الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني أو مواقع التواصل الاجتماعي الإفصاح عن البيانات السرية، مثل الرقم السري، أو رمز التحقق (OTP)، أو الرقم الموجود على ظهر البطاقة، أو كلمات المرور. كما تدعو العملاء إلى عدم مشاركة أي بيانات مصرفية مع أي شخص مهما كانت صفته، والإبلاغ الفوري عن أي اتصال أو رسالة مشبوهة عبر القنوات الرسمية للبنك، باعتبار أن وعي العميل يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات الاحتيال.
وفي ظل تزايد أساليب الاحتيال الإلكتروني، تتصاعد المطالب بتشديد الرقابة على تداول البيانات الشخصية، وتوسيع نطاق التحقيقات في مصادر تسريبها، باعتبار أن حماية بيانات العملاء لم تعد مجرد مسألة تقنية، بل قضية تمس الأمن المالي والثقة في المنظومة المصرفية بأكملها، وتتطلب تعاونا كاملا بين البنوك والجهات الرقابية ومؤسسات إنفاذ القانون والعملاء أنفسهم للحد من هذه الجرائم وملاحقة مرتكبيها.



