كتب : طارق الحديوى
في مشهد يختزل حجم المعاناة التي يمكن أن تتسبب فيها مخالفات البناء وضعف المتابعة، استيقظ عشرات السكان في منطقة كفر طهرمس بالجيزة على واقع صادم، بعدما صدر قرار بإخلاء برجين سكنيين بشكل فوري كإجراء احترازي عقب رصد ميل إنشائي بالعقارين، حفاظا على أرواح المواطنين ومنع وقوع كارثة محتملة.
ورغم أن قرار الإخلاء يعكس تحركا ضروريا لحماية السكان، فإن الأزمة تطرح تساؤلات مشروعة حول كيفية وصول الوضع إلى هذه المرحلة، خاصة أن مثل هذه المشكلات الإنشائية لا تظهر بين يوم وليلة، وإنما تكون في الغالب نتيجة تراكمات وأخطاء كان من الممكن اكتشافها والتعامل معها مبكرا.
وتتحمل المحليات دورا محوريا في منظومة الرقابة على أعمال البناء، بداية من إصدار التراخيص ومراجعة الرسومات الهندسية، مرورا بمتابعة التنفيذ على أرض الواقع، وصولا إلى رصد أي مخالفات أو تجاوزات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في توقيتها. ولذلك فإن ظهور عقارين بهذا الحجم في دائرة الخطر يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى فاعلية المتابعة الدورية والرقابة الفنية خلال مراحل الإنشاء المختلفة.

كما تبرز أهمية محاسبة كل من يثبت تقصيره أو مسؤوليته عن المخالفات، سواء كان مقاول البناء أو المهندس المشرف أو أي جهة سمحت باستمرار أعمال غير مطابقة للاشتراطات الفنية والقانونية، خاصة أن الضحية في النهاية هو المواطن الذي دفع مدخرات عمره للحصول على مسكن آمن لأسرته.
الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بمبنيين مهددين، بل تمثل جرس إنذار يستوجب مراجعة شاملة لملف الرقابة على البناء، وتعزيز آليات المتابعة الميدانية للكشف المبكر عن أي مشكلات إنشائية قبل أن تتحول إلى تهديد مباشر لحياة المواطنين.
وفي الوقت نفسه، تبقى الأولوية العاجلة هي دعم الأسر المتضررة التي وجدت نفسها خارج منازلها في لحظات، وتوفير حلول سريعة تضمن لها السكن الآمن والاستقرار لحين حسم مصير العقارين، مع ضرورة تحرك ممثلي الدائرة من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ لمساندة الأهالي ومتابعة الأزمة ميدانيا.
فحماية الأرواح واجب لا خلاف عليه، لكن الأهم هو منع تكرار مثل هذه الوقائع من الأساس، عبر رقابة حقيقية ومحاسبة واضحة لكل من تسبب أو قصر، حتى لا يدفع المواطن مرة أخرى ثمن أخطاء لم يرتكبها.




