علوم وتكنولوجيا

لغة برمجة الخمسينيات cobol تدير اقتصاد اليوم

قضية تكنولوجية واقتصادية بالغة الأهمية والحساسية، وهي اعتماد النظام المالي العالمي المستمر حتى اليوم على لغة برمجة قديمة جداً تُدعى COBOL (كوبول)، والأزمة الصامتة التي تواجهها البنوك والمؤسسات الحكومية بسبب تقاعد المبرمجين الذين يتقنونها.

​فيما يلي استعراض شامل لأبرز المحاور :

​1. لغة من خمسينيات القرن الماضي تدير اقتصاد اليوم

​تم تصميم لغة COBOL عام 1959 (أي قبل أكثر من 65 عاماً) على يد لجنة كان من أبرز أعضائها الأدميرال “جريس هوبر”، بهدف إيجاد لغة برمجية سهلة القراءة تشبه اللغة الإنجليزية لإدارة الأعمال. ورغم أنها كانت تُعتبر حلاً مؤقتاً في ذلك الوقت، إلا أنها أصبحت الركيزة الأساسية التي يقوم عليها النظام المالي العالمي اليوم.

​2. أرقام مذهلة تعكس حجم الاعتماد على COBOL

​البيانات والإحصائيات التي توضح كيف أن اقتصاد العالم سيتوقف تماماً إذا توقفت هذه اللغة:

  • 3 تريليون دولار من المعاملات التجارية والمالية اليومية تمر عبر أنظمة مبرمجة بلغة COBOL.
  • 95% من عمليات أجهزة الصراف الآلي (ATM) تعتمد على هذه اللغة.
  • 80% من المعاملات البنكية المباشرة (التي تتم داخل الفروع) تتم عبرها.
  • ​أكثر من 40% من الأنظمة المصرفية في الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال مبنية عليها.
  • ​هناك حوالي 220 مليار سطر برميجي من لغة COBOL لا تزال قيد الاستخدام الفعلي حول العالم.
  • ​مؤسسات حكومية أمريكية حساسة مثل: وزارة الخزانة، مصلحة الضرائب (IRS)، مؤسسة الضمان الاجتماعي، وقطاعات التأمين الكبرى كلها تدار بواسطة COBOL.

​3. لماذا لم يتم استبدالها حتى الآن؟

​ونطرح سؤالاً منطقياً: لماذا لا تقوم البنوك والمؤسسات بتحديث أنظمتها والانتقال إلى لغات برمجة حديثة؟ والإجابة تتلخص في سببين:

  • الكفاءة العالية: لغة COBOL صُممت خصيصاً لمعالجة كميات هائلة من البيانات ونقل الأموال بدقة متناهية وبنسبة أخطاء شبه منعدمة، وهي تتفوق في استقرارها على الكثير من البرمجيات الحديثة.
  • خطورة وتكلفة التغيير: الأنظمة البنكية ليست مجرد برنامج بسيط، بل هي شبكة معقدة ومتداخلة من البرامج الممتدة عبر عقود، وتضم ملايين القواعد التنظيمية والقانونية. محاولة تغييرها تشبه “عملية جراحية معقدة لقلب مفتوح أثناء ركض المريض”. على سبيل المثال، حاول بنك الكومنولث الأسترالي الهجرة من أنظمة كوبول، فاستغرق الأمر 5 سنوات وتكلفة تجاوزت 750 مليون دولار!

​4. أزمة “منحدر التقاعد” (The Retirement Cliff)

​المشكلة الحقيقية لا تكمن في اللغة نفسها، بل في العنصر البشري. الخبراء والمبرمجون الذين يفهمون هذه الأنظمة ويقومون بصيانتها تم تدريبهم في الستينيات والسبعينيات، ومعظمهم الآن في الستينيات أو السبعينيات من عمرهم ويتقاعدون بمعدل 10% سنوياً.

في المقابل، توقفت الجامعات عن تدريس هذه اللغة منذ ثمانينيات القرن الماضي، مما خلق فجوة جيلية ضخمة؛ حيث أن هناك مبرمجين محترفين في الخمسينيات من عمرهم لم يروا سطلاً واحداً من كود COBOL طوال مسيرتهم. وتشير الإحصائيات إلى أن 60% من المؤسسات التي تستخدم هذه اللغة تكافح حالياً للعثور على مطورين مؤهلين.

​وقد ظهرت هذه الأزمة بوضوح في عام 2020، عندما انهار نظام تعويضات البطالة في ولاية نيوجيرسي الأمريكية بسبب الضغط أثناء الجائحة، واضطرت الحكومة لإطلاق نداء استغاثة علني تطلب فيه من مبرمجي COBOL المتقاعدين التطوع لإصلاح النظام.

​5. كيف تواجه البنوك والمؤسسات هذه المعضلة؟

​تسلك المؤسسات المالية حالياً ثلاثة مسارات للتعامل مع هذا التحدي:

  1. الرواتب الخيالية للمتقاعدين: تدفع البنوك مبالغ طائلة واستثنائية للمبرمجين القدامى لإقناعهم بالبقاء أو للعمل كمستشارين لحالات الطوارئ (حتى أن هناك شركة أُسست خصيصاً لهذا الغرض وتدعى COBOL Cowboys).
  2. تدريب جيل جديد (الهجرة العكسية): بدأ بعض المبرمجين الشباب في العشرينات والثلاثينات من عمرهم يدركون أن تعلم COBOL (رغم أنه قد يبدو “مخجلاً” أو قديماً لزملائهم) هو تذكرة سريعة للحصول على وظائف نادرة وذات أجور مرتفعة جداً.
  3. الاستعانة بالذكاء الاصطناعي: تدمج البنوك حالياً نماذج الذكاء الاصطناعي والتوليدي لمساعدتها في قراءة، صيانة، وتحديث أكواد COBOL القديمة. إنها مفارقة تكنولوجية غريبة؛ حيث يتم استخدام أحدث تكنولوجيا في العصر الحالي للحفاظ على أقدم تكنولوجيا قيد الحياة.

​خلاصة الموضوع:

​نلخص بفكرة عميقة تؤكد أن الافتراض الشائع بأن “التكنولوجيا القديمة تموت دائماً وتُستبدل بالجديد” هو افتراض خاطئ عندما يتعلق الأمر بالبنية التحتية الحرجة للعالم. لغة COBOL، ورغم مرور أكثر من نصف قرن عليها، لا تزال هي المحرك الصامت لأموال العالم، ومستقبل الاستقرار المالي يعتمد بشكل مباشر على مدى نجاح الحلول الحالية (سواء بالبشر أو بالذكاء الاصطناعي) في سد الفجوة التي تركها المهندسون الأوائل.

أحمد جبريل

أحمد جبريل صحفي محترف يتمتع بخبرة منذ عام 2019 في مجال الصحافة المكتوبة والرقمية. متخصص في تغطية الشأن الإستثماري والإقتصادي والرياضي والتكنولوجي، مع اهتمام خاص بتقديم محتوى دقيق وموضوعي يعكس نبض الشارع ويعزز من وعي الجمهور.
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

نرجو إيقاف مانع الإعلانات لدعم استمراريتنا.