بين نيران الجغرافيا السياسية ورياح التحول الأخضر، سوق تأمين الطاقة في اختبار تاريخي يرسم ملامح المستقبل.

طارق الحديوى
لم يعد قطاع الطاقة مجرد محرك للاقتصاد العالمي، بل تحول إلى ساحة معقدة تتقاطع فيها المصالح السياسية مع التحديات الاقتصادية والتكنولوجية، وهو ما انعكس مباشرة على سوق التأمين، الذي يواجه اليوم واحدة من أكثر مراحله حساسية، في ظل تصاعد المخاطر وتغير طبيعتها بوتيرة غير مسبوقة.
فالتوترات الجيوسياسية أعادت تشكيل خريطة أمن الطاقة عالميا، وألقت بظلالها على استقرار الإمدادات والأسواق، في وقت تتسارع فيه خطى التحول نحو الطاقة المتجددة، مدفوعة بضرورات الاستدامة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. هذا التحول، رغم ما يحمله من فرص واعدة، يفرض تحديات معقدة على شركات التأمين، التي باتت مطالبة بتطوير أدواتها لمواكبة واقع جديد تتداخل فيه المخاطر البيئية مع التكنولوجية والسيبرانية.
وفي هذا السياق، يشهد سوق تأمين الطاقة نموا لافتا مدفوعا بالاستثمارات الضخمة في مشروعات الطاقة النظيفة، من مزارع الرياح إلى محطات الطاقة الشمسية ومشروعات الهيدروجين الأخضر، وهي مشروعات تتطلب نماذج تأمينية مبتكرة قادرة على التعامل مع مخاطر غير تقليدية، مثل تقلبات الطقس، والأعطال التقنية، وتعطل سلاسل الإمداد.
وتشير التقديرات إلى تضاعف حجم سوق التأمين على الطاقة خلال العقد المقبل، مدفوعا بالطلب المتزايد على تغطيات متخصصة، خاصة في الأسواق الناشئة التي تشهد طفرة في مشروعات البنية التحتية للطاقة، ما يفتح الباب أمام شركات التأمين لتوسيع نطاق أعمالها وتقديم حلول أكثر مرونة وتخصصا.
لكن هذا النمو لا يخلو من التحديات، إذ تواجه الشركات ضغوطا متزايدة نتيجة ارتفاع معدلات الخسائر المرتبطة بالكوارث الطبيعية، إلى جانب نقص البيانات التاريخية للمخاطر الحديثة، ما يعقد من عملية التسعير ويزيد من حدة المخاطر المحتفظ بها. كما أن التهديدات السيبرانية أصبحت تمثل خطرا حقيقيا على البنية التحتية للطاقة، في ظل الاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية والشبكات الذكية.
وفي مواجهة هذه التحديات، تتجه الصناعة إلى تبني حلول أكثر تطورا، تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات للتنبؤ بالمخاطر، إلى جانب استخدام نماذج التأمين البارامتري التي توفر استجابة سريعة للخسائر، وتدعم استقرار التدفقات المالية لشركات الطاقة.
كما تتسع مظلة التغطيات التأمينية لتشمل مختلف مراحل سلسلة القيمة في قطاع الطاقة، من الإنشاء والتركيب إلى التشغيل والصيانة، مرورا بتأمين المسؤوليات البيئية وانقطاع الأعمال، بما يعكس التحول من تغطيات تقليدية إلى منظومة متكاملة لإدارة المخاطر.
وفي هذا الإطار، يشدد اتحاد شركات التأمين المصرية على أهمية تطوير القدرات الفنية للسوق المحلية، وتعزيز الابتكار في تصميم المنتجات التأمينية، بما يتماشى مع طبيعة مشروعات الطاقة الحديثة، خاصة في مجالات الطاقة المتجددة.
ويرى الاتحاد أن المرحلة المقبلة تتطلب تعميق التعاون بين قطاعي التأمين والطاقة، إلى جانب الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، لضمان تقديم حلول فعالة تدعم الاستثمار وتحمي الأصول الحيوية، في ظل بيئة عالمية شديدة التقلب.
وفي ظل هذا المشهد المتسارع، يقف سوق تأمين الطاقة عند نقطة تحول فارقة، حيث لم يعد النجاح مرهونا بحجم التغطيات فقط، بل بقدرة الشركات على فهم المخاطر الجديدة واستباقها، وتحويلها من تهديدات محتملة إلى فرص للنمو، في عالم تتغير فيه قواعد اللعبة بشكل مستمر.




