كتب/ عبدالوارث السيد
تعود كرة القدم المصرية إلى دائرة الجدل من جديد، لكن هذه المرة ليس بسبب مباراة أو نتيجة، بل بسبب أزمة تتعلق بـحرية النقد وحدودها، بعد تصاعد الانتقادات الموجهة إلى المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، وما صاحبها من ردود أفعال وصلت إلى ساحات قانونية في بعض القضايا المرتبطة بتصريحات محللين، وعلى رأسهم رضا عبد العال.
القضية هنا لم تعد مجرد اختلاف في وجهات النظر الفنية، بل تحولت إلى سؤال أكبر يفرض نفسه على الساحة الكروية: هل أصبح نقد أداء المنتخب والمدرب خطًا أحمر؟ أم أن مساحة الرأي بدأت تضيق بشكل يثير القلق داخل الوسط الرياضي؟
صدام متكرر بين “الرأي” و”رد الفعل”
من الطبيعي أن يتعرض أي مدرب لمنتخب بحجم منتخب مصر للنقد، بل إن النقد جزء أساسي من اللعبة ومن ضغطها الجماهيري والإعلامي. لكن الأزمة تبدأ عندما يتحول هذا النقد—في نظر البعض—إلى تجاوز، أو عندما يُقابل بردود فعل حادة قد تصل إلى التصعيد القانوني بدل الاكتفاء بالرد الفني أو التوضيح الإعلامي.
في المقابل، يرى مؤيدو الجهاز الفني أن بعض الآراء تجاوزت حدود التحليل الفني إلى التشكيك والسخرية، وهو ما يضع المدرب في موقف دفاعي دائم، خاصة مع حجم الضغط الهائل المرتبط بتوقعات الجماهير.
حساسية المرحلة… وضغط المنتخب
لا أحد ينكر أن حسام حسن يقود مرحلة حساسة داخل المنتخب، حيث تتداخل التوقعات الجماهيرية مع طموحات العودة إلى منصات التتويج في كأس العالم. لكن في الوقت نفسه، فإن قيادة منتخب بحجم مصر تعني تلقّي النقد بشكل يومي، سواء كان إيجابيًا أو قاسيًا أو حتى مبالغًا فيه أحيانًا.
وهنا تظهر الإشكالية: هل يتم التعامل مع النقد كجزء من المنظومة الطبيعية لكرة القدم؟ أم يتم النظر إليه كتهديد يجب التصدي له؟
جمهور بالملايين… وصوت لا يمكن تجاهله
الكرة المصرية ليست محصورة في الإعلام أو المحللين فقط، بل هي حالة جماهيرية واسعة تضم ملايين المشجعين الذين يملكون حق التعبير عن آرائهم، سواء عبر التحليل الفني أو النقاش أو حتى الاعتراض على قرارات فنية يرونها غير مناسبة.
هذا الجمهور لا يتعامل مع المنتخب كفريق عادي، بل كرمز وطني، وبالتالي فإن تفاعله مع الأداء يكون عالي الحساسية، سريع الانفعال، وكبير التأثير.
أين تنتهي حرية النقد؟
القضية الأهم التي يطرحها المشهد الحالي ليست شخصية، بل مبدأية:
هل هناك مساحة كافية للنقد في الكرة المصرية؟
أم أن الخوف من التصعيد يجعل بعض الآراء تختفي أو تُقال بحذر زائد؟
النقد الفني حق مشروع طالما ظل داخل إطار الاحترام والتحليل، لكنه يتحول إلى مشكلة عندما يفقد موضوعيته أو يتحول إلى تجريح. وفي المقابل، يصبح التعامل مع كل رأي مختلف باعتباره “استهدافًا” أزمة أخرى لا تقل خطورة.
النهاية: كرة القدم لا تعيش برأي واحد
في النهاية، يبقى الهدف واحدًا: نجاح منتخب مصر ورفع اسمه في المحافل الكبرى. لكن الوصول إلى هذا الهدف لا يكون عبر إغلاق باب النقاش، ولا عبر تحويل كل اختلاف في الرأي إلى صدام، بل عبر إدارة الخلاف بشكل احترافي يفصل بين النقد الفني وبين الهجوم الشخصي.
كرة القدم، في جوهرها، لا تحتمل صوتًا واحدًا… بل تحتاج دائمًا إلى تعدد الأصوات، لأن الحقيقة غالبًا لا تكون في طرف واحد، بل في المسافة بين كل الآراء.




