«محدش هيضيع مننا تاني».. كيف تحولت تجربة عائلية مؤلمة إلى مشروعي «LAZ» و«AI FamilyLink» لإنقاذ المفقودين؟

كتب : عاصم أبو يوسف
في لحظات الضياع والتيه، تقف الكلمات عاجزة عن تقديم المساعدة، وتصبح كل دقيقة تمضي بغير إجابة بمثابة كابوس يداهم الأسر. من قلب هذه المعاناة، وفي تجربة إنسانية مؤلمة عاشتها إحدى العائلات المصرية، ولد مشروع تكنولوجي يسعى لتوظيف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الطبية في حل واحدة من أعقد المشكلات الاجتماعية والصحية.
نقطة الانطلاق: ألمٌ شخصي يتحول إلى رسالة
قبل أربعة أعوام، عاشت عائلة الشاب المصري «أحمد لازم» لحظات عصيبة إثر اختفاء ابن شقيقه الطفل «حمزة». ورغم أن «حمزة» كان طفلاً صغيراً وعاد لحسن الحظ إلى أحضان أسرته بسلام بفضل قدرته المحدودة على الكلام، إلا أن تلك الواقعة تركت أثراً عميقاً في وجدان «أحمد».
فتحت الواقعة أمام عقل «أحمد» باباً واسعاً من الأسئلة المحيرة: ماذا لو كان الشخص المفقود لا يستطيع التعبير عن هويته؟ ماذا عن الأطفال الذين يعانون من التوحد أو صعوبات النطق والسمع والتواصل؟ وماذا عن كبار السن المصابين بالزهايمر، أو الأشخاص الذين يتعرضون لنوبات صرع وحالات طبية طارئة تحول دون قدرتها على التعريف بأنفسهم؟
اختصر «أحمد لازم» هذه الفلسفة التحولية في عبارة تختزل كل دافعيته الإنسانية قائلاً: «لما حمزة ابن أخويا تاه، ساعتها اعتبرت كل الناس أولاد أخويا». ومن هنا ولدت الفكرة، واتُّخذ لها شعارٌ يلخص الهدف الأسمى للمشروع: «محدش هيضيع مننا تاني».
رحلة الابتكار: من القميص الذكي إلى السوار الطبي
لم تكن الفكرة وليدة دراسة تسويقية بحثاً عن أرباح ومكاسب مادية، بل كانت دافعاً إنسانياً خالصاً. ولتحويل الفكرة إلى منتج عملي قابل للتطبيق، استعان «أحمد لازم» بصديقه البرمج «مصطفى صبحي».
بدأت أولى مراحل التصور في شكل قميص يحمل شريحة إلكترونية ورمز استجابة سريعة (QR Code). وسرعان ما انضم إلى الفريق صديقهم «محمد نظمي»، المتخصص في مجال التخاطب، لتوجيه الفكرة نحو الفهم الدقيق لطبيعة الأطفال واحتياجات الفئات الخاصة وكيفية التواصل معهم.
مع تطوير العمل، تحول التصور من القميص إلى سوار طبي مصنوع من المطاط يحمل عبارة «أنقذني وامسح رمز QR». يُتيح هذا السوار لمن يعثر على الشخص المفقود مسح الرمز للوصول فوراً إلى ملفه التعريفي عبر تطبيق «LAZ»، والذي يتضمن بيانات الاتصال بالأسرة، والمعلومات الطبية المهمة، مما يختصر الوقت والجهد في التعرف على الشخص وتسهيل عودته بأمان.
وقد توّج هذا الابتكار في مراحله المبكرة بالفوز بالمركز الأول في مسابقة لرائدة الأعمال، مما منح الفريق دفعة قوية للتحول نحو الإنتاج الفعلي.
التحدي الجديد: الذكاء الاصطناعي يتدخل عبر «AI FamilyLink»
مع استمرار التطوير، طرح الفريق سؤالاً أكثر تعقيداً: ماذا لو فقد الطفل أو الشخص التائه السوار نفسه، أو لم يكن يرتديه أصلًا لحظة الاختفاء؟
هنا برز المحور الثاني في المشروع والمتمثل في خاصية «AI FamilyLink». تعتمد هذه التقنية على خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتعرف على الوجوه؛ حيث يُنشئ أولياء الأمور ملفات تعريفية تتضمن صوراً لأفراد أسرهم. وفي حالة الفقد، يمكن استخدام خاصية البحث بالوجه لمقارنة صورة الشخص التائه بالصور المسجلة في التطبيق للوصول إلى بيانات ولي أمره فوراً.
ويؤكد الفريق أن تقنية التعرف على الوجوه، رغم أنها ليست ضماناً مطلقاً وتعتمد على جودة الصورة وظروف التصوير، تُعد وسيلة إضافية حاسمة لزيادة فرص العثور على المفقودين، مع الشديد على ضرورة حماية الخصوصية والالتزام بالضوابط الأخلاقية وضمان الموافقات اللازمة لاستخدام البيانات.
من الفكرة إلى الواقع: رسائل إنسانية واستقلال مالي
تجلت أهمية المشروع وتأثيره الملموس عندما تلقى «أحمد لازم» اتصالاً هاتفياً من أم لطفل يعاني من التوحد. كانت الأم تبحث عن وسيلة لكتابة اسم ابنها على جسده بـ «الوشم» حتى لا يضيع. وحين علمت بفكرة تطبيق وسوار LAZ وكيف يمكن أن يساعدها، غمرتها فرحة عارمة. كان هذا الموقف بمثابة الوقود الحيوي للفريق للتأكيد على أن مشروعهم يلبي احتياجاً واقعياً يمس حياة العائلات.
أما على صعيد التمويل والاستمرارية، فقد واجه المشروع تحديات كثيرة تتعلق بالوصول للجهات الداعمة. ورغم التنازلات التمويلية التي عُرضت عليهم والتي كانت ستفقدهم السيطرة على المشروع وحرية اتخاذ القرار على حد وصفهم، فضل الفريق التمويل الذاتي للحفاظ على الرسالة الإنسانية للمشروع وجعل احتياجات المستفيدين هي الأولوية.
يسعى فريق LAZ حالياً لتصنيع المنتجات وتطوير التطبيق ذاتياً، مع التخطيط لزيارات ميدانية لمراكز الأطفال والمتخصصين والأسر لسماع ملاحظاتهم وتطوير الحلول وفق احتياجاتهم الفعلية.
نحو مستقبل أكثر أماناً
مشروع LAZ وتقنية AI FamilyLink لا يدّعيان حل جميع المشكلات بنسبة 100%، لكنهما يقدمان أدوات تكنولوجية مبتكرة تعزز من فرص الأمان، وتمنح الأسر خط دفاع إضافي لحماية أبنائها وذويها الاحتياجات الخاصة وكبار السن في لحظات الخوف والارتباك.
تبقى رحلة «أحمد لازم» وفريقه تجربة ملهمة تحولت فيها المحنة الشخصية إلى نموذج عام، حاملةً في طياتها رسالة نبيلة تؤكد أن التكنولوجيا تكون في أبهى صورها عندما تُسخّر لخدمة الإنسان وحماية أثمن ما يملك: «محدش هيضيع مننا تاني».



