اتحاد شركات التأمين: الرقمنة وإعادة هيكلة العمولات ترسمان مستقبل توزيع المنتجات التأمينية عالميا

كتب / طارق الحديوى
تتصدر الرقمنة وتنويع قنوات البيع وإعادة تنظيم العمولات مشهد التطور في أسواق التأمين العالمية، مع توجه متزايد نحو بناء منظومة توزيع أكثر كفاءة وشفافية، توازن بين خفض التكاليف التشغيلية وتوسيع قاعدة العملاء وحماية حقوق حملة الوثائق، وفقا لدراسة حول قنوات توزيع التأمين في ضوء الممارسات العالمية استعرضها اتحاد شركات التأمين.
وتسلط الدراسة الضوء على التحولات التي تشهدها صناعة التأمين في عدد من الأسواق الدولية، في ظل تنامي دور المنصات الإلكترونية والتأمين البنكي والوساطة الرقمية، إلى جانب استمرار أهمية الوكلاء والوسطاء وشبكات التوزيع التقليدية، بما يعكس اتجاها نحو التكامل بين القنوات المختلفة بدلا من الاعتماد على نموذج واحد للبيع والتسويق.
وتأتي هذه التحولات مدفوعة بتغير احتياجات العملاء، وتسارع الاعتماد على التكنولوجيا وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، فضلا عن سعي شركات التأمين إلى تحسين كفاءة عملياتها والوصول إلى شرائح جديدة، خاصة في المناطق والفئات التي لا تزال تعاني محدودية الاستفادة من الخدمات التأمينية.

6 قنوات رئيسية تقود توزيع التأمين
وتحدد الدراسة ست قنوات رئيسية لتوزيع المنتجات التأمينية، تشمل التأمين البنكي، ووسطاء التأمين، ووكلاء التأمين، والمنصات الرقمية، والشراكات البديلة مع المؤسسات التجارية وشركات الاتصالات ومقدمي الخدمات، إلى جانب البيع المباشر من خلال شركات التأمين.
ويستند التأمين البنكي إلى الاستفادة من قاعدة عملاء المؤسسات المصرفية وانتشار فروعها، بينما يتيح الوسطاء للعملاء مقارنة المنتجات والتغطيات والأسعار والحصول على المشورة المناسبة، في حين يعتمد الوكلاء على التواصل المباشر وبناء علاقات مستمرة مع العملاء.
وفي المقابل، تمنح المنصات الرقمية العملاء القدرة على مقارنة المنتجات والحصول على عروض الأسعار وإصدار الوثائق وسداد الأقساط إلكترونيا، بينما تتيح الشراكات التجارية دمج التغطيات التأمينية ضمن الخدمات والمنتجات التي يحصل عليها العملاء بالفعل.
أما البيع المباشر، فيمنح شركات التأمين سيطرة أكبر على تجربة العملاء وآليات التسويق وجودة الخدمة، لكنه يتطلب استثمارات مستمرة في البنية التكنولوجية وفرق المبيعات وخدمات ما بعد البيع.
وتؤكد الدراسة أن كفاءة هذه القنوات لا تقاس بحجم الانتشار وحده، بل بقدرتها على تقديم منتجات مناسبة لاحتياجات العملاء، وشرح شروط التغطية والاستثناءات بوضوح، وتحقيق التوازن بين تكلفة التوزيع وجودة الخدمة.
الهند والصين.. نماذج مختلفة لتطوير الأسواق
وتبرز الهند باعتبارها نموذجا للتوزيع متعدد القنوات، من خلال الجمع بين البنوك والوسطاء والوكلاء والمنصات الرقمية والموزعين المحليين، الذين يلعبون دورا مهما في الوصول إلى المناطق الريفية والشرائح الأقل استفادة من الخدمات التأمينية.
وتقدر الدراسة إجمالي الأقساط المكتتبة في السوق الهندية بنحو 156 مليار دولار، مع استمرار فرص النمو في ظل التوسع في الخدمات الرقمية وبرامج الشمول المالي والتأميني.
أما الصين، فتقدم نموذجا يجمع بين التكنولوجيا وشبكات الوكلاء والتأمين البنكي والوساطة الرقمية، مع تقديرات لإجمالي الأقساط المكتتبة تتراوح بين 730 و780 مليار دولار سنويا، وفقا للبيانات الواردة بالدراسة.
وتشير الدراسة إلى أن الإجراءات التنظيمية الصينية استهدفت الحد من تكاليف التوزيع والأتعاب غير المعلنة، مع تراجع متوسط عمولات التأمين البنكي بنحو 30% عقب الإجراءات التي بدأت عام 2023، واستمرار تشديد الضوابط خلال عامي 2025 و2026.
وتعكس هذه التجربة أهمية التدخل التنظيمي لضبط العلاقة بين شركات التأمين وقنوات التوزيع، ومنع تحميل المنتجات تكاليف غير مبررة، مع تعزيز الشفافية في تحديد العمولات والمقابل المالي للخدمات المقدمة.
المغرب والإمارات.. تنوع في القنوات وتباين في العمولات
وفي المغرب، تعتمد سوق التأمين على شبكة من الوسطاء والوكلاء المعتمدين، إلى جانب التأمين البنكي الذي يركز على منتجات الحياة والادخار والتغطيات المرتبطة بالقروض، مع توسع تدريجي في استخدام القنوات الرقمية.
وتقدر الدراسة حجم الأقساط المكتتبة في السوق المغربية بنحو 55 إلى 64 مليار درهم سنويا، مع استحواذ تأمينات الممتلكات على نحو 55% من السوق، مقابل قرابة 45% لتأمينات الحياة والادخار.
وفي الإمارات، تتكامل الوساطة التأمينية والمنصات الرقمية والتأمين البنكي والبيع المباشر، مستفيدة من تطور البنية التنظيمية والتكنولوجية، فيما تقدر الدراسة إجمالي الأقساط المكتتبة بنحو 74.8 مليار درهم.
وتختلف عمولات التوزيع بحسب طبيعة المنتج ونوع التغطية التأمينية، سواء في التأمين الصحي أو الممتلكات أو السيارات أو منتجات الحياة والادخار، وهو ما يجعل وضع ضوابط واضحة للمقابل المالي أحد العناصر المهمة لضمان استدامة قنوات التوزيع.
وتكشف المقارنة بين الأسواق الأربع عن اختلاف أساليب تنظيم التوزيع، لكنها تتفق على أهمية رفع كفاءة القنوات، وتعزيز الإفصاح، والحد من التكاليف غير المبررة، بما يدعم المنافسة ويحافظ على حقوق العملاء.
مصر تعزز الرقابة على عمولات التسويق والتوزيع
وعلى مستوى السوق المصرية، تتنوع قنوات توزيع التأمين بين البنوك والوكلاء والوسطاء والبيع المباشر والمنصات الرقمية، مع فرص للتوسع في التأمين متناهي الصغر والشراكات غير التقليدية التي تساعد على الوصول إلى شرائح جديدة من العملاء.
وتشير الدراسة إلى أن قانون التأمين الموحد رقم 155 لسنة 2024 وضع إطارا تشريعيا لتنظيم القطاع وتعزيز الإفصاح وحماية حملة الوثائق، فيما تناول قرار مجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية رقم 267 لسنة 2025 تنظيم المقابل المالي لجهات التسويق والتوزيع.
ويشمل الإطار التنظيمي متطلبات للإفصاح عن العمولات والمكافآت والمصروفات التسويقية وحوافز الأداء، مع تحديد أسس احتسابها ومواعيد سدادها، وضمان ارتباط المقابل المالي بطبيعة الخدمات المقدمة وحجم الأقساط المتوقع وتسعير المنتجات.
كما يركز التنظيم على ضرورة تقييم الأثر الاكتواري للعمولات وتكاليف التوزيع، للتأكد من عدم تأثيرها سلبا على ربحية المنتجات أو حقوق العملاء أو الملاءة المالية لشركات التأمين، مع إتاحة المجال أمام الهيئة لطلب الدراسات والمبررات اللازمة أو إلزام الشركات بإجراء التعديلات المطلوبة وفقا للضوابط المعمول بها.
وتتناول الدراسة أيضا القرارات التنظيمية الصادرة خلال عام 2026 بشأن مدد تراخيص تسويق المنتجات عبر البنوك، وتأمين الائتمان والضمان، والقواعد المنظمة للوساطة التأمينية والحوكمة.
6 توصيات لخفض تكاليف التوزيع وتعزيز الاستدامة
وتطرح الدراسة مجموعة من التوصيات لتطوير العلاقة بين شركات التأمين وشركائها في التوزيع، بما يضمن تحقيق عائد اقتصادي مناسب لكل قناة، دون تحميل العملاء تكاليف إضافية غير مبررة.
وتشمل أبرز التوصيات ما يلي:
إقرار سياسة واضحة للعمولات: اعتماد سياسة من مجلس الإدارة تشمل مختلف قنوات التوزيع وأشكال المقابل المالي، مع تحديد صلاحيات الموافقة وإجراء مراجعة دورية سنوية.
قياس التكلفة الفعلية لكل قناة: احتساب إجمالي تكلفة التوزيع كنسبة من الأقساط طوال مدة التعاقد، بما يشمل الرسوم والمصروفات وتكاليف العاملين داخل فروع الشريك.
ربط التكاليف بجودة الخدمة: تقييم أداء قنوات التوزيع وفقا لمعدلات التعويضات والإلغاء وعدم الاستمرار والشكاوى، مع مراعاة طبيعة كل منتج.
تعزيز الانضباط في التسعير: إخضاع اتفاقات التوزيع المصرفي لتقييم مستقل لقيمة الأعمال الجديدة، ومنع تحميل الفروع التأمينية الأخرى تكاليف لا تخصها.
تطوير آليات التعاقد: ربط المقابل المالي بمستويات الأداء الفعلية، ووضع ضوابط لاسترداد المبالغ عند الاقتضاء، والحد من المدفوعات المقدمة مرتفعة القيمة.
تنويع الشراكات: توسيع قاعدة شركاء التوزيع والحد من الاعتماد المفرط على قناة واحدة، مع الالتزام بالحدود التنظيمية المتعلقة بتركيز الأعمال في تأمين الائتمان والضمان.
التكامل بين الرقمنة والحوكمة مفتاح نمو سوق التأمين
وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل توزيع التأمين يتوقف على قدرة الشركات على تحقيق التكامل بين القنوات التقليدية والحديثة، وتطوير الشراكات التجارية والمصرفية، والاستفادة من التكنولوجيا في تحسين تجربة العملاء وخفض التكاليف، بالتوازي مع تطبيق قواعد واضحة للعمولات والإفصاح والحوكمة.
كما تؤكد أهمية التنسيق مع الجهات الرقابية المختصة، وفي مقدمتها الهيئة العامة للرقابة المالية والبنك المركزي المصري، كل في نطاق اختصاصه، لضمان التزام قنوات التوزيع بالضوابط المنظمة للنشاط.
ويمثل تطوير منظومة التوزيع أحد المحاور الرئيسية لتوسيع نطاق الحماية التأمينية في مصر، وزيادة قدرة الشركات على الوصول إلى شرائح جديدة، وتعزيز كفاءة السوق واستدامتها، بما يرسخ الثقة في المنتجات التأمينية ويدعم تنافسية القطاع خلال السنوات المقبلة.


