كتبت منال ذكى
في مدينة لا تهدأ فيها خطوط الإنتاج، وبين ألسنة النار المتصاعدة من أفران الجلفنة العملاقة، بدأت حكاية مختلفة.. حكاية لمشروع لم يأت فقط ليضيف مصنعًا جديدًا إلى خريطة الصناعة المصرية، بل جاء ليغير قواعد اللعبة بالكامل.
هناك، داخل مجمع صناعي ضخم يمتد على مساحة تتجاوز 54 ألف متر مربع، تقف مجموعة جلفا كواحدة من أكبر القلاع الصناعية التي ولدت في مصر خلال السنوات الأخيرة، باستثمارات تخطت 30 مليار جنيه، وطموح يتجاوز حدود السوق المحلية إلى أسواق العالم.

منذ اللحظة الأولى، لم تكن الفكرة مجرد إنشاء مصنع، بل بناء منظومة صناعية متكاملة قادرة على منافسة الكيانات العالمية. ولهذا جاءت التكنولوجيا الإيطالية الأوتوماتيكية بالكامل لتقود خطوط الإنتاج، فيما ارتفعت نسبة المكون المحلي إلى 75%، في رسالة واضحة تقول إن الصناعة المصرية قادرة على الاعتماد على نفسها وصناعة منتج ينافس عالميًا.
داخل هذا الصرح الصناعي، تتحرك آلاف الأطنان شهريًا في مشهد يبدو أقرب إلى خلية نحل عملاقة. أكبر محطة جلفنة في الشرق الأوسط وأفريقيا تعمل بطاقة تصل إلى 10 آلاف طن شهريًا، بينما ينتج مصنع الأعمدة والمنشآت المعدنية نحو 8 آلاف طن شهريًا، لتصبح جلفا لاعبًا رئيسيًا في دعم مشروعات الطاقة والبنية التحتية والنقل الذكي داخل مصر.
لكن الحكاية لم تتوقف عند حدود الإنتاج فقط.
فبينما كانت الدولة المصرية تنفذ مشروعاتها القومية الكبرى، كانت منتجات جلفا تتحرك في الخلفية بهدوء، تدخل في مشروعات الكهرباء، والطرق، والمواصلات الحديثة، والسكك الحديدية، والمونوريل، لتصبح جزءًا من مشهد التنمية الذي يتشكل على أرض الواقع.
ومع اتساع الطموح، بدأت أبواب العالم تفتح أمام المنتج المصري. اليوم تصل صادرات جلفا إلى 28 دولة حول العالم، بينما تستهدف المجموعة تصدير 70% من إجمالي إنتاجها، في خطوة تعكس ثقة الأسواق العالمية في جودة المنتج المصري المطابق للمواصفات الأوروبية والعالمية.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الدول عن أهمية توطين الصناعة وخلق فرص العمل، نجحت المجموعة في توفير أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، لتتحول من مجرد كيان صناعي إلى مصدر حقيقي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ورغم ما تحقق، لا تبدو جلفا وكأنها وصلت إلى خط النهاية. فخطط التوسع لا تزال مستمرة، مع توجهات قوية لدخول صناعات جديدة مثل السيارات والأجهزة المنزلية، في إطار رؤية تستهدف بناء قاعدة صناعية مصرية قادرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا.
لهذا لم تعد جلفا مجرد شركة صناعية، بل أصبحت نموذجًا لحلم مصري يتحول إلى واقع.. نموذج يؤكد أن الصناعة الوطنية قادرة على أن تكون قاطرة التنمية، وأن رؤية مصر 2030 لم تعد مجرد خطط على الورق، بل مصانع تعمل، ومنتجات تصدر، وحكايات نجاح تكتب كل يوم على أرض الواقع.


