قراءة فى كتاب «أكتوبر 73 السلاح والسياسة» لهيكل:مأزق السادات بعد رحيل عبدالناصر(2)

0 37

«على طريق الحل» هذا هو العنوان الذى اختاره الأستاذ محمد حسنين هيكل للجزء الأول من كتابه «أكتوبر 73 السلاح والسياسة»، وترصد الفصول العشرة
المكونة لهذا الجزء الخلفيات التى سبقت ومهدت لمشهد عبور الجيش المصرى لقناة السويس يوم 6 أكتوبر 1973، منذ رحيل الرئيس جمال عبدالناصر إلى لحظة اندلاع حرب أكتوبر، «ليست هناك قيمة لرأى إلا إذا كانت قاعدته من المعلومات والأخبار والخلفيات واسعة وكاملة وصحيحة إلى أقصى حد».
وتحت عنوان «البداية.. مأزق رجل»، جاء الفصل الأول من هذا الجزء مستعرضا عوامل حيرة الرئيس أنور السادات بعد رحيل عبدالناصر، «مساء يوم الاثنين 28 سبتمبر عام 1970 كان أنور السادات وجها لوجه مع أدق وأصعب لحظة فى حياته.. وكان قلبه وعقله خلالها نهبا لمشاعر ونوازع مختلطة ومتداخلة بحيث يصعب وصفها بأمانة، لأنه كان يستحيل توصيفها بدقة، وفرز عناصرها، ورد كل منها إلى أصله».
بعد أن استعرض الكاتب الكبير لهذه المشاعر والنوازع المختلطة عند السادات، واجراءات الانتقال الهادئ والسريع للسلطة إليه، وما رافق ذلك من ظهور طموحات آخرين فى خلافة عبدالناصر، توقف عند تقدير موقف أولى واجه السادات به نفسه، «وصباح يوم الجمعة 23 كان يشعر (السادات) أنه بحاجة إلى تفكير عميق فيما حوله وفيما أمامه، وكان تقديره صحيحا حين بدأ فوضع أمام نفسه ثلاث حقائق، وهى: أن خيوط السلطة ليست فى يده، وأن حقائق الموضوعات والمشكلات غائبة عنه، وأن المسئولية عليه كلها حتى فيما لا دخل له فيه.
وكانت تلك بداية واقعية لخصها هو (السادات) تماما بوصف مصرى دارج بقوله (حوسة)، وهو لفظ يفيد معنى الارتباك والحيرة، لكنه بعد هذه البداية راح يحدد لنفسه مواضع ومواطن التحديات، التى تنتظره».
وكانت من أهم هذه التحديات التى استعرضها السادات ــ بحسب «الأستاذ» ــ الجبهة الداخلية التى تلقت فى 3 سنوات صدمتين: نكسة 1967، وفى هذه كان المصريون مصممين على إزالة آثارها، والصدمة الثانية كانت بالرحيل المفاجئ لعبدالناصر، الذى كانوا يرون «بشكل ما أنه قادر على الوصول بهم إلى بر الأمان، ولكن رحيله جعل بر الأمان يبتعد وتبهت خطوطه.. وفى كل الأحوال فإن الجبهة الداخلية فى حاجة إلى جرعات من الثقة، وعليه (السادات) أن يعثر على وسيلة».
من التحديات الأخرى التى واجهت السادات «جبهة القوة والسلطة»، و«أمامه عليها عدد من الرجال يمسكون فى أيديهم بمفاتيحها بالكامل، سواء فى الحكومة أو فى مجلس الأمة أو فى التنظيم السياسى، وأسباب الاحتكاك بينه وبينهم كامنة».
وعلى المستوى الخارجى، كانت أمام السادات عدة جبهات؛ فهناك احتلال إسرائيل لسيناء، وتدعيم أمريكا لها، وتردد الاتحاد السوفييتى فى التعامل مع مصر بعد رحيل عبدالناصر، إضافة إلى افتقاد التنسيق داخل الجبهة العربية.
واستعرض الكاتب الكبير للتحدى الأخير الذى واجه السادات، والمتمثل فى القوات المسلحة المصرية، «وأدرك (السادات) بذكاء أن هذه الجبهة الأخيرة هى الجبهة الرئيسية فى كل ما يواجهه». ويوضح الكاتب بقوله «كان الجيش المصرى قد عاش محنة حقيقية فى ظروف سنة 1967، وتمالك نفسه بعد انتهاء المعارك، وساعدته القيادة المباشرة لعبدالناصر فى تلك الظروف على هذا التماسك، كما ساعدته عليه أيضا عملية إعادة البناء والتسليح التى اعتبرها عبدالناصر مهمة عمره وكرس نفسه بالكامل لها. ثم جاءت حرب الاستنزاف بوقائعها فأعادت لهذا الجيش جزءا من ثقته بنفسه.
لكن هذا الجيش كان لا يزال فى حاجة إلى لوازم حيوية: سلاح أكثر تقدما وتدريب أكثر كفاءة وأرضية سياسية فى الداخل والخارج أكثر تقبلا للتضحيات وأوسع كرما فى المساعدات خصوصا إزاء تفوق على الخطوط المقابلة تزايدت معدلاته ووتائره.
وفوق ذلك كله، وربما قبله، فإن الجيش من ذات نفسه يعيش تحت ضغوط سياسية وعسكرية ونفسية صعبة، وقد كان انفجار 1967 بكل شظاياه محنة مروعة، كما أن مسئوليات لاذنب للتشكيلات المقاتلة فيها نزلت على أكتاف الجيش دون وجه حق. ثم إن هناك فجوة بين الوسائل الموجودة فى يد القوات والغايات التى تحددت لها، وزاد على ذلك أن وجود خبراء سوفييت فى الوحدات حتى مستوى الألوية، بقصد تكثيف التدريب، أحدث دون قصد أسبابا للاحتكاك والحساسية».
ويواصل «الأستاذ» قائلا: «أدرك الرئيس «السادات» أن علاقته بالقوات المسلحة سائرة حتما إلى اختبار: فهو فى وقت من الأوقات لابد أن يصدر أمرا إلى الجيش بالعبور إلى الضفة الأخرى، وإذا لم يفعل ذلك فى وقت معقول، فإن استمرار التوتر والقلق، بل وحتى الملل، قد يدفع الجيش إلى الارتداد إلى الوراء والعودة إلى العاصمة نفسها لتغيير نظام ثبت عجزه وتأكد فشله، وهو لا يستطيع أن يصدر أمرا إلى الجيش بالعبور إلا إذا كان لدى قيادته ما يدعوها إلى الاعتقاد بأن هناك فرصة متاحة للنجاح. وإذا لم يستطع توفير هذا الشرط فإن العصيان ضده مؤكد».
ويختم الكاتب هذا الفصل بقوله إن استعراض السادات لكل ما يواجهه على مختلف الجبهات، صحيحا ودقيقا. لكنه على تنوع جبهاته واتساعها كان جزءا من الموقف، ولم يكن الموقف كله. ذلك أن حقائق أى موقف لا تتجلى عناصرها إلا عندما يتم التفاعل بين ما هو موضوعى وما هو ذاتى، لان الحقيقة فى النهاية إنسانية (…) ومع ذلك كان عليه أن يبدأ دوره ورئاسته وعصره، وأن ينتظر المقادير تعطيه السبيل إلى مخرج من هذا الموقف المستعصى على الفكر والفعل. ولم يكن فى وسع المقادير إلا أن تعطيه أحد مخرجين: إما مخرج إلى حل، وهو ما كان يفضله بالقطع ومعه الحق. وإما مخرج إلى حرب، وهو ما لم يكن منه مفر إذا انسدت كل المسالك إلى الحل لكنه حكم الضرورات لا حيلة له فيه! ولقد كان توجهه الأول وسط أوضاعه التى وجدها شبه مستحيلة أن يبدأ بتجربة مخرج الحل. وراح يفكر ويبحث ويتقصى».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.