
عاصم أبويوسف
في عيد دمياط القومي، لا نحتفل فقط بذكرى اندحار الغزاة عند أسوارها، بل نحتفل بعقيدة “العمل” التي صنعت من هذه الأرض نموذجًا فريدًا للإرادة والإنتاج، حتى استحقت أن تُلقب بـ”يابان مصر” وقلعتها الصناعية الأولى.
إن دمياط ليست مجرد ورشة كبيرة أو ميناء استراتيجي فقط، بل هي صورة حية للسيادة الاقتصادية القائمة على الإنتاج الذاتي، والكفاح الممتد عبر الأجيال. لكن، وبينما تفخر المحافظة بسواعد أبنائها التي طوعت الخشب والحديد وحولت الحرفة إلى هوية، يبرز سؤال هام: هل تستطيع الصناعة وحدها الصمود في عالم تتغير موازينه كل يوم دون ظهير فكري وثقافي مختلف يحميها ويطورها؟
إن حبنا لدمياط ليس كلمات تُكتب في المناسبات، بل هو انحناءة احترام لتلك الأرض التي ترفض الاستسلام للبطالة، وتتنفس الإبداع في كل شارع وزقاق.
يا شباب دمياط، إن اعتزازكم بمحافظتكم ليس مجرد عاطفة، بل أمانة تاريخية في أعناقكم؛ فأنتم امتداد لجيل قاوم الغزاة وانتصر بالإرادة والعزيمة، واليوم تخوضون معركة أكثر تعقيدًا، معركة الوعي والتطوير ومواكبة العالم. فلا تجعلوا أحلامكم تتوقف عند حدود “الورشة والمصنع”، بل اجعلوا العالم بأسره سوقًا لطموحاتكم، وكونوا النخبة المثقفة المختلفة القادرة على قيادة هذه القلعة الصناعية نحو مستقبل تكنولوجي أكثر إشراقًا وتأثيرًا. فما تحتاجه دمياط اليوم ليس الحفاظ على المهنة فقط، بل صناعة عقل جديد قادر على تطويرها وحمايتها من الجمود. فقلعة الصناعة لا تُبنى بالأيدي وحدها، بل بالعقول التي تدير التكنولوجيا، وتصنع القرار، وتفهم التحولات الاقتصادية والسياسية العالمية.
إن الاعتزاز بالهوية الدمياطية يجب أن يتحول من مجرد فخر بالماضي إلى مشروع وطني للإنجاز والتحديث، عبر جيل يؤمن بأن العلم والوعي هما خط الدفاع الحقيقي عن مستقبل المحافظة.
يا شباب دمياط، أنتم حراس هذه القلعة، وأنتم القوة التي تستطيع أن تجعل من محافظتكم نموذجًا مصريًا متجددًا في الصناعة والإبداع والوعي. فالأمم لا تُهزم ما دام فيها شباب يعرف قيمة أرضه، ويحمل فكرًا يوازي قوة سواعده، ويؤمن أن المستقبل يُصنع بالعلم كما يُصنع بالعمل.



