كتب : عاصم أبو يوسف
في أعقاب الواقعة الكارثية التي هزّت الرأي العام، والخاصة بالشخص الذي انتحل صفة طبيب جراحة وزوّر أوراقه ومستنداته، قبل أن تنكشف الحقيقة الصادمة، وجدت نفسي أتساءل: إذا كان المجتمع قد اهتز بحق أمام فكرة طبيب مزيف يتلاعب بأرواح الناس، فلماذا نتسامح أحياناً مع مزيفين آخرين يتلاعبون بعقول الناس ووعيهم؟!
من واقع الغيرة على مهنتي، والمسؤولية تجاه وطني، أرى أن أخطر ما يهدد الإعلام والصحافة اليوم ليس نقص الإمكانيات ولا ضعف الموارد، بل اجتياح الدخلاء للمهنة وتصدر غير المؤهلين للمشهد الإعلامي، حتى أصبح الوصول إلى المنابر أسهل من الوصول إلى الكفاءة ذاتها.
لقد كشفت لنا واقعة الطبيب المنتحل حقيقة مهمة؛ وهي أن انتحال الصفة لا يقتصر على الطب وحده، فكما يوجد من ينتحل صفة طبيب، يوجد أيضاً من ينتحل صفة إعلامي أو صحفي أو محلل سياسي، دون دراسة أو تأهيل أو تدريب حقيقي، مستنداً فقط إلى لقبٍ يضعه أمام اسمه، أو صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي يكتب فيها، أو وقتٍ مشتراه على شاشة التليفزيون.
المشكلة لا تكمن فقط في وجود هؤلاء، بل في حجم التأثير الذي يتركونه على المجتمع. فعندما يقع الميكروفون في يد الجاهل، والقلم في يد غير المؤهل، تتحول الرسالة الإعلامية من صناعة الوعي إلى نشر الوهم، ومن نقل الحقيقة إلى ترويج الشائعات، ومن خدمة الوطن إلى إرباك المجتمع وإضعاف ثقته في كل ما يسمع ويرى.
لقد دفعت الحياة السياسية والاجتماعية ثمناً باهظاً نتيجة تصدر الدخلاء للمشهد، فاختلط الخبر بالرأي، والحقيقة بالادعاء، والمعلومة بالشائعة، والمهنية بالاستعراض، وأصبح بعض من يقدمون أنفسهم باعتبارهم إعلاميين أو صحفيين يفتقرون إلى أبسط قواعد المعرفة والتدقيق والمسؤولية المهنية، بينما يُدفع أصحاب التخصص والخبرة إلى الصفوف الخلفية أمام موجة من الباحثين عن الأضواء السريعة والشهرة الرخيصة.
والأخطر من ذلك أن بعض المؤسسات والمنصات ساهمت، بقصد أو بغير قصد، في تكريس هذه الظاهرة، عندما فتحت أبوابها لمن يعمل بأي مقابل أو يسعى إلى الظهور بأي ثمن، دون اعتبار للدراسة والكفاءة أو التأهيل والخبرة. وهنا تصبح الخسارة عامة، لأن الإعلام ليس وظيفة عادية، بل أحد أهم أدوات تشكيل الوعي وصناعة الرأي العام.
إن احترام التخصص ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة وطنية. فكما لا نقبل بطبيب بلا دراسة، ولا مهندس بلا تأهيل، ولا قاضٍ بلا علم قانوني، لا ينبغي أن نقبل بإعلامي أو صحفي يتصدر المشهد دون إعداد أكاديمي أو تدريب مهني حقيقي يؤهله لحمل هذه المسؤولية.
قد ينجح دخيل المهنة في حجز مقعد تحت الأضواء لبعض الوقت، وقد تمنحه الظروف شهرة مؤقتة، لكن التاريخ المهني لا يُكتب بالضجيج، وإنما بالكفاءة والمصداقية والإنجاز. فالمناصب قد تُمنح، والشهرة قد تُشترى، والأضواء قد تُصنع، أما الاحترام فلا يُمنح إلا لمن استحقه علماً وخبرةً وجهداً.
ويبقى أخطر ما في دخيل المهنة أنه لا يجهل فقط، بل يظن أنه يعلم. وهذه هي الكارثة الحقيقية؛ لأن الجاهل الذي يعرف حدود جهله أقل خطراً من الجاهل الذي يعتقد أنه خبير، فيفسد أكثر مما يصلح، ويهدم من حيث يظن أنه يبني.
وفي النهاية وأنت تقرأ هذه السطور الآن، لا تنظر إلى الأسماء أو الألقاب أو عدد المتابعين، بل اسأل نفسك سؤالاً بسيطاً: من هو الإعلامي الحقيقي الذي بنى مكانته بالعلم والخبرة والالتزام؟ ومن هو المزيف الذي يحاول أن يفرض نفسه باللقب والمظهر والظهور المتكرر؟
فالأوطان لا يحمي وعيها إلا المتخصصون، ولا يبني رأيها العام إلا أصحاب المعرفة، أما الدخلاء فلا يتركون خلفهم سوى الضجيج… ثم يرحلون.





