طارق الحديوى
في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، لم يعد المشهد مجرد مواجهة جيوسياسية تقليدية، بل تحول إلى عامل ضغط مباشر يعيد تشكيل توازنات الاقتصاد العالمي، ويفرض تحديات غير مسبوقة على صناعة التأمين التي تجد نفسها في قلب عاصفة من المخاطر المركبة وعدم اليقين.
ومع تطورات المشهد منذ فبراير 2026، برزت تداعيات واضحة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، انعكست بدورها على قطاع التأمين، خاصة في مجالات التأمين البحري والجوي وإعادة التأمين، حيث ارتفعت تكلفة التغطيات، وتشددت الشروط، لا سيما في مناطق التوتر وممرات الشحن الحيوية مثل مضيق هرمز، الذي يمثل شريانا رئيسيا لإمدادات الطاقة العالمية.
مسارات محتملة ترسم مستقبل الأسواق
كشفت تقارير حديثة صادرة عن ستاندرد آند بورز عن حالة مرتفعة من الضبابية، مؤكدة أن حجم التأثير يختلف وفقا لمدى اعتماد الدول على واردات الطاقة وسلاسل الإمداد المرتبطة بالمنطقة.
ويشير التقرير إلى وجود مسارين رئيسيين محتملين:
المسار الأساسي:
تعاف تدريجي في حركة الإمدادات مع استمرار بعض الاضطرابات المؤقتة، واستقرار نسبي في أسعار النفط عند مستويات قابلة للاحتواء.
المسار الأكثر تشددا:
استمرار الاضطرابات لفترة أطول، مع تراجع إمدادات الطاقة بنحو ملحوظ، ما قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، ويؤدي إلى تباطؤ النمو العالمي بنحو 2 إلى 3 نقاط مئوية، إلى جانب ارتفاع التضخم بأكثر من 5 نقاط.
وتحذر التقديرات من أن أي تعطيل ممتد لحركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز عالميا، قد يقود إلى أزمة طاقة ذات أبعاد مالية عالمية، خاصة في الأسواق الناشئة.
صناعة التأمين في مواجهة مخاطر غير تقليدية
التطورات الجارية فرضت واقعا جديدا على شركات التأمين، حيث لم تعد المخاطر تقليدية أو منفصلة، بل أصبحت مترابطة وتشمل أبعادا اقتصادية وتشغيلية وأمنية في آن واحد.
ومن أبرز هذه التحديات:
اضطراب سلاسل الإمداد العالمية
تقلبات حادة في أسعار الطاقة
ارتفاع أخطار الائتمان والسيولة
زيادة التعرض لمخاطر النقل والشحن
هذا الواقع يدفع شركات التأمين إلى إعادة تقييم نماذج الأخطار، ورفع الأسعار، وتشديد شروط الاكتتاب، خاصة في القطاعات الأكثر تأثرا مثل الطيران والطاقة والخدمات اللوجستية.
تصاعد الأخطار السيبرانية في ظل التوترات
بالتوازي مع المخاطر الاقتصادية، حذر تقرير صادر عن Clyde & Co من تنامي التهديدات السيبرانية المرتبطة بالاضطرابات الجيوسياسية، حيث أصبحت المؤسسات هدفا لهجمات متطورة تستهدف تعطيل العمليات وجمع المعلومات.
وتشمل أبرز التهديدات:
هجمات إلكترونية مدعومة من جهات منظمة
تصيد احتيالي يستغل أجواء الأزمات
هجمات تعطيل الخدمات الرقمية
استهداف البنية التحتية وأنظمة التشغيل
كما ساهم التوسع في العمل عن بعد في زيادة الثغرات الأمنية، ما يستدعي تعزيز أنظمة الحماية الرقمية وتحديث سياسات الأمن السيبراني داخل المؤسسات.
مفارقة السوق.. انخفاض مؤقت رغم تصاعد المخاطر
على الرغم من تصاعد التوترات، أظهر مؤشر سوق التأمين العالمي الصادر عن مارش انخفاضا في متوسط أسعار التأمين التجاري عالميا بنسبة 5% خلال الربع الأول من 2026، مدفوعا بالمنافسة وتوافر الطاقة الاستيعابية.
وسجلت عدة مناطق انخفاضات ملحوظة:
الشرق الأوسط وإفريقيا: 10%
آسيا وأوروبا: 5%
الولايات المتحدة: 1%
في المقابل، ارتفعت أسعار التأمين ضد الحوادث، بينما استمرت التأمينات السيبرانية والمهنية في التراجع.
غير أن هذا الاتجاه قد يكون مؤقتا، مع توقعات بعودة الارتفاع في الأسعار إذا استمرت التوترات الجيوسياسية وتصاعدت حدة المخاطر.
تحولات استراتيجية تعيد رسم القطاع
تشير المؤشرات إلى أن استمرار الأزمة سيدفع نحو تغييرات هيكلية في الاقتصاد العالمي، من بينها:
تسريع التحول إلى الطاقة المتجددة
تعزيز أمن الإمدادات والاكتفاء الذاتي
إعادة هيكلة سلاسل الإمداد
زيادة الطلب على حلول التأمين المتخصصة
وهو ما يفتح المجال أمام شركات التأمين لتطوير منتجات جديدة تتماشى مع طبيعة المخاطر الحديثة.
توصيات لتعزيز المرونة والاستجابة
في ضوء هذه التحديات، تبرز مجموعة من التوجهات الضرورية لضمان استقرار القطاع:
تطوير منتجات تأمينية مبتكرة تغطي الأخطار الناشئة
رفع مستوى الوعي التأميني لدى العملاء
الاستثمار في التكنولوجيا والبنية الرقمية
تعزيز منظومات الأمن السيبراني
تحديث نماذج تقييم وتسعير المخاطر بشكل مستمر
التأمين في قلب التحولات العالمية
تكشف الأزمة الراهنة أن صناعة التأمين أصبحت عنصرا محوريا في مواجهة التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية، ولم تعد مجرد أداة لتعويض الخسائر، بل شريكا استراتيجيا في إدارة المخاطر.
ومع تسارع وتيرة التغيرات، سيظل التحدي الأكبر أمام هذا القطاع هو قدرته على التكيف مع عالم أكثر تعقيدا، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد، وتتجاوز المخاطر حدود التوقعات التقليدية.

