كتب / طارق الحديوى
لم تعد تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية تقف عند حدود العمليات العسكرية أو أسواق الطاقة، بل امتدت إلى واحدة من أكثر الصناعات ارتباطا بحركة التجارة العالمية: صناعة التأمين.
فكل سفينة تعبر منطقة الخطر أصبحت تحمل معها سؤالا تأمينيا جديدا، وكل رحلة بحرية أو جوية باتت تخضع لحسابات أكثر تعقيدا، فيما تتسع دائرة المخاطر لتشمل الحرب والإرهاب والتخريب والهجمات السيبرانية والتلوث والعقوبات، في وقت تتغير فيه درجة الخطر بصورة سريعة يصعب معها الاعتماد على قواعد التسعير التقليدية.
وفي قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز، أحد أهم شرايين التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، بعدما تحولت حركة الملاحة فيه إلى مصدر قلق متزايد لشركات الشحن والتأمين وإعادة التأمين، وسط استمرار انخفاض حركة العبور عن مستوياتها الطبيعية وتفضيل عدد من ملاك السفن الابتعاد عن المنطقة أو استخدام طرق بديلة.

من ربع بالمئة إلى 10 بالمئة.. التأمين يدفع فاتورة الحرب
قبل اندلاع الصراع في 28 فبراير، كان ما يقرب من 20 بالمئة من النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم يمر يوميا عبر مضيق هرمز، بينما كانت أقساط التأمين ضد أخطار الحرب في حدود 0.25 بالمئة من قيمة السفينة.
لكن المعادلة تغيرت بصورة حادة بعد بدء الأعمال العدائية، حيث قفزت أقساط التأمين ضد أخطار الحرب خلال أسابيع إلى نحو 10 بالمئة من قيمة السفينة في بعض الحالات.
ولا يوجد سعر موحد للتغطية، إذ أصبحت شركات التأمين تتعامل مع كل رحلة باعتبارها خطرا مستقلا، وتحدد السعر وفقا لنوع السفينة وقيمتها والحمولة والمسار ومدة البقاء داخل المنطقة عالية الخطورة، إلى جانب طبيعة المالك والمشغل والمستأجر.
وهذا الأسلوب يمنح شركات التأمين مرونة أكبر في التسعير وفقا للمخاطر الفعلية، لكنه في الوقت نفسه يضع ملاك السفن والمستأجرين أمام فاتورة تأمينية يصعب التنبؤ بها، خصوصا مع سرعة تغير الأوضاع الأمنية.
73 رحلة فقط.. الملاحة تحت ضغط الحرب
ظلت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز محدودة خلال أغسطس، رغم استمرار عبور السفن في الاتجاهين.
وتراجعت عمليات العبور الأسبوعية من 91 إلى 73 عملية، مع استحواذ ناقلات النفط الخام على الجزء الأكبر من الحركة المسجلة، مع الإشارة إلى أن البيانات أولية وقد تظهر رحلات إضافية لم تكن أنظمة التتبع قد رصدتها وقت إعداد البيانات.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند حركة السفن، حيث امتدت إلى تجارة الحاويات، التي تراجعت وارداتها في المنطقة بنسبة 21 بالمئة وصادراتها بنسبة 31 بالمئة خلال النصف الأول من العام.
وفي المقابل، واصلت تجارة الحاويات العالمية نموها، مدفوعة باستمرار الطلب على طرق التجارة الأقل تعرضا للأزمة.
التأمين لا يؤمن السفينة فقط.. بل يواجه معركة قانونية
أصبحت شركات التأمين أمام معادلة أكثر تعقيدا من مجرد تحديد قيمة الأضرار.
فالعقوبات والقيود الاقتصادية أصبحت جزءا من عملية تقييم الخطر، كما بات الوضع القانوني للأطراف المشاركة في العملية التأمينية عاملا مؤثرا في قرار قبول الخطر، وتحويل الأقساط، وتسوية المطالبات وسداد التعويضات.
وتزداد صعوبة المشهد عندما يقع حادث تتداخل فيه عدة أسباب، فقد تبدأ الخسارة بهجوم أو عمل عدائي، ثم تتطور إلى حريق أو جنوح، ثم تسرب للحمولة وتلوث بيئي، لتظهر في النهاية سلسلة من المطالبات أمام أكثر من وثيقة تأمين.
وهنا يصبح السؤال الأصعب: من يتحمل الخسارة؟
70 بالمئة من حركة السفن خارج الرؤية
من أخطر التحديات التي تواجه شركات التأمين حاليا محدودية البيانات المتعلقة بحركة السفن.
وخلال يوليو، وصلت نسبة الحركة التي تعذر تتبعها عبر أنظمة التعرف الآلي إلى نحو 70 بالمئة، مع اتجاه بعض السفن إلى إيقاف أنظمة التتبع أو استخدام مسارات بديلة.
وتنعكس هذه الظاهرة مباشرة على قدرة شركات التأمين على التأكد من التزام السفينة بالمسار الذي تم تسعير الخطر على أساسه.
كما تجعل مهمة تقدير التراكمات أكثر صعوبة، إذ يصبح من الصعب تحديد عدد السفن والحمولات الموجودة في النطاق الجغرافي ذاته، وما إذا كان حادث واحد يمكن أن ينتج عنه حجم كبير من المطالبات المتزامنة.
الحرب تعيد كتابة وثائق التأمين
الهجمات الحديثة دفعت أسواق التأمين إلى إعادة التفكير في عدد من المفاهيم التقليدية الخاصة بأخطار الحرب.
فالهجوم على كابل بحري أو استخدام طائرة مسيرة أو تنفيذ هجوم إلكتروني قد يؤدي إلى حادث بحري مادي، وهنا تظهر إشكالية تحديد ما إذا كانت الخسارة ناتجة عن خطر حربي مستثنى، أم خطر آخر يدخل ضمن نطاق التغطية.
وتزداد المشكلة تعقيدا عندما يؤدي هجوم إلكتروني إلى تعطيل أنظمة الملاحة، ثم ينتهي الأمر بتصادم أو جنوح، وما يترتب على ذلك من أضرار في السفينة أو تسرب الحمولة أو مسؤوليات تجاه الغير.
وفي مثل هذه الحالات، تصبح عملية تحديد السبب المباشر للخسارة حجر الأساس في تحديد الجهة التأمينية المسؤولة عن التعويض.
الطيران أيضا يدفع الثمن
لم تسلم صناعة الطيران من تداعيات الصراع، مع إلغاء بعض الرحلات وتغيير مسارات أخرى وتعليق رحلات في ظل ارتفاع مستويات المخاطر.
وتشير التوقعات إلى احتمال ارتفاع أسعار تأمين جسم الطائرة والمسؤولية لشركات الطيران بنسب تتراوح بين 15 و25 بالمئة، وفقا لطبيعة الخطر ومستوى التعرض.
لكن ارتفاع تكلفة التأمين لا يعني بالضرورة تعويض شركات الطيران عن جميع خسائرها، إذ لا تغطي وثائق جسم الطائرة والمسؤولية عادة خسائر الإيرادات الناتجة عن إلغاء الرحلات أو تغيير المسارات.
التلوث النفطي.. جبهة جديدة أمام شركات التأمين
أحد أخطر التطورات التي ظهرت على هامش الأزمة هو انتقال المخاطر إلى البيئة البحرية.
فقد وصلت بقايا نفطية يعتقد أنها ناتجة عن إصابة سفينة شحن إلى جزيرة قشم الإيرانية، بما شمل مناطق من غابات المانجروف المحمية في هارا.
وفي المقابل، شهدت السواحل الجنوبية لسلطنة عمان تسربا نفطيا أكبر من ناقلة روسية تابعة لما يعرف بأسطول الظل، بعد تعرضها لأضرار وجنوحها قبالة جزر الحلانيات.
وهنا لا تتوقف الخسارة عند قيمة السفينة أو الحمولة، وإنما تمتد إلى البيئة البحرية والمسؤولية تجاه الغير وتكاليف التنظيف والمعالجة وإعادة التأهيل.
وتزداد خطورة هذه الحوادث بسبب الطبيعة الحساسة للبيئات المتضررة، خاصة مناطق المانجروف ومناطق تكاثر الأسماك والطيور والثدييات البحرية، إلى جانب مناطق تعشيش السلاحف البحرية من نوع منقار الصقر، المصنفة ضمن الأنواع المهددة بالانقراض بدرجة حرجة.
وقد لا تظهر جميع الأضرار البيئية فور وقوع الحادث، وهو ما يجعل تقدير القيمة النهائية للمطالبات عملية طويلة ومعقدة، قد تحتاج إلى دراسات بيئية متخصصة وتقييمات ممتدة زمنيا.
حادث واحد.. عشرات المطالبات
في المناطق عالية المخاطر، يمكن لحادث واحد أن يتحول إلى سلسلة من المطالبات.
فقد يبدأ الأمر بانفجار أو هجوم، ثم تتعرض السفينة لأضرار مادية أو حريق، وتفقد قدرتها على الإبحار، قبل أن تجنح وتتسرب حمولتها، لتظهر أضرار بيئية ومطالبات من أطراف متعددة.
وهنا تتداخل وثائق تأمين جسم السفينة وأخطار الحرب والبضائع والحماية والتعويض والتأمين السيبراني، وتبدأ المعركة الفنية والقانونية لتحديد السبب المباشر للخسارة والوثيقة التي تتحملها.
اتحاد شركات التأمين المصرية: إدارة الخطر يجب أن تسبق وقوعه
في مواجهة هذه التطورات، يؤكد اتحاد شركات التأمين المصرية أهمية المتابعة المستمرة لتطورات أسواق التأمين وإعادة التأمين، إقليميا ودوليا، واتخاذ قرارات اكتتابية تتناسب مع طبيعة الأخطار ومستويات التعرض الفعلية.
ويوصي الاتحاد شركات التأمين العاملة في السوق المصرية بتعزيز منظومة إدارة المخاطر والاكتتاب، وإجراء مراجعات دورية للوثائق والمحافظ التي قد تتأثر بالتطورات الجيوسياسية.
كما يشدد على ضرورة إعطاء اهتمام خاص للتأمينات المرتبطة بالنقل البحري والجوي والطاقة والممتلكات والهندسة والمسؤوليات، في ظل احتمال تأثرها باضطرابات سلاسل الإمداد وإغلاق الممرات الملاحية وتغيير مسارات النقل.
ويؤكد الاتحاد أهمية التنسيق بين إدارات الاكتتاب والمطالبات وإعادة التأمين وإدارة المخاطر والشؤون القانونية، بما يضمن وجود رؤية متكاملة للتعامل مع الخطر منذ لحظة طلب التغطية وحتى تسوية المطالبة.
كما يوصي بتحديث بيانات العملاء والأطراف ذات الصلة بصورة مستمرة، والتحقق من هوية الأطراف المشاركة في العمليات التأمينية وطبيعة أنشطتهم ومواقع تعرضهم للخطر، مع الالتزام الكامل بالمتطلبات الرقابية والقانونية.
اختبارات ضغط لمواجهة السيناريو الأسوأ
ولا تقتصر التوصيات على مراجعة الوثائق، وإنما تمتد إلى اختبار قدرة شركات التأمين على مواجهة السيناريوهات الأسوأ.
ويشمل ذلك إجراء اختبارات ضغط دورية لقياس أثر اتساع نطاق النزاع أو استمراره لفترات أطول من المتوقع، أو حدوث اضطرابات واسعة في الممرات البحرية والجوية، أو ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والوقود.
كما يتطلب الأمر مراجعة شروط اتفاقيات إعادة التأمين وحدود المسؤولية والاستثناءات وشروط الإخطار والتراكمات والحدود الجغرافية، لضمان عدم وجود التزام تأميني على الشركة لا يقابله حق كاف في الاسترداد من معيدي التأمين.
المعركة الحقيقية خلف الكواليس
تكشف أزمة مضيق هرمز أن الحرب لم تعد مجرد خطر عسكري بالنسبة إلى صناعة التأمين، بل أصبحت شبكة متداخلة من المخاطر تمتد من السفن والطائرات إلى الطاقة وسلاسل الإمداد والبيئة والمدفوعات والعقوبات والهجمات السيبرانية.
ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام شركات التأمين لم يعد فقط دفع التعويض بعد وقوع الخسارة، وإنما القدرة على قراءة الخطر قبل وقوعه، وقياس حجم التعرض، وإدارة التراكمات، وتحديد حدود التغطية، وضمان توافر الحماية الكافية من خلال إعادة التأمين.
ومع استمرار حالة عدم اليقين، يبدو أن صناعة التأمين تدخل مرحلة جديدة، يصبح فيها التسعير أكثر مرونة، والاكتتاب أكثر تشددا، والبيانات أكثر أهمية، وإدارة المخاطر أكثر ارتباطا بالتطورات الجيوسياسية من أي وقت مضى.
ففي عالم تتغير فيه خريطة المخاطر خلال ساعات، قد لا يكون السؤال: كم تبلغ قيمة الخسارة؟
بل: هل كانت شركة التأمين مستعدة لها قبل أن تقع؟


