مزارع الشمس والرياح تحت مظلة التأمين.. استثمارات بالمليارات ومخاطر تعيد تشكيل سوق الحماية

كتب / طارق الحديوى

لم تعد الطاقة المتجددة مجرد خيار بيئي لتقليل الانبعاثات، بل تحولت إلى واحدة من أهم محركات الاستثمار والنمو الاقتصادي عالميا، مع تسارع خطط الدول والشركات للتوسع في إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، وتزايد الاعتماد على أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات.

ومع ضخ استثمارات ضخمة في إنشاء مزارع الطاقة الشمسية والرياح، تتغير في المقابل خريطة المخاطر التي تواجه هذه المشروعات، لتفتح الباب أمام قطاع التأمين للقيام بدور أكثر أهمية في حماية الأصول والاستثمارات وضمان استمرارية الإنتاج.

وتتسع دائرة المخاطر لتشمل مراحل المشروع كافة، من التصميم والإنشاء والنقل والتركيب، وصولا إلى التشغيل والصيانة، بما يفرض على شركات التأمين تطوير منتجات متخصصة تتناسب مع طبيعة التكنولوجيا المستخدمة والموقع الجغرافي للمشروع والظروف المناخية المحيطة به.

20% من استهلاك الطاقة عالميا من المصادر المتجددة بحلول 2030

وتشير توقعات وكالة الطاقة الدولية إلى ارتفاع استهلاك الطاقة المتجددة في قطاعات الكهرباء والحرارة والنقل بنحو 60% خلال الفترة من 2024 إلى 2030، لترتفع مساهمة المصادر المتجددة في إجمالي استهلاك الطاقة النهائي إلى نحو 20% بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 13% في 2023.

ويأتي الجزء الأكبر من هذا النمو من التوسع في إنتاج الكهرباء المتجددة، مدفوعا بالسياسات الحكومية الداعمة في أكثر من 130 دولة، إلى جانب الانخفاض المستمر في تكاليف إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والتوسع في استخدام الكهرباء في قطاعات النقل والتدفئة.

IMG 20260908 WA0004

وتشير التقديرات إلى أن إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة قد يتجاوز 17 ألف تيرا واط/ساعة بحلول 2030، بزيادة تقارب 90% عن مستويات عام 2023، بما يكفي لتلبية إجمالي الطلب المتوقع على الكهرباء في الصين والولايات المتحدة الامريكية معا.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم التحول الجاري في قطاع الطاقة، والذي ينعكس بصورة مباشرة على قطاع التأمين، باعتباره أحد أهم الأدوات المالية لإدارة المخاطر وحماية رؤوس الأموال المستثمرة في مشروعات البنية التحتية والطاقة.

الشمس والرياح تتصدران سباق الطاقة الجديدة

تشهد خريطة إنتاج الكهرباء العالمية تحولات متسارعة، مع صعود الطاقة الشمسية وطاقة الرياح إلى صدارة مصادر الطاقة الجديدة.

وتشير التوقعات إلى استمرار ارتفاع إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة خلال السنوات المقبلة، مع تفوق الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على عدد من مصادر التوليد التقليدية، وصولا إلى توقعات بأن تصبح الطاقة الشمسية أكبر مصدر منفرد لإنتاج الكهرباء من بين مصادر الطاقة المتجددة.

وبحلول 2030، يتوقع أن توفر الطاقة المتجددة نحو 46% من إجمالي إنتاج الكهرباء عالميا، بينما تمثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح معا نحو 30% من إجمالي الكهرباء المولدة.

هذا التحول الضخم يعني في الوقت نفسه نشوء سوق متنامية أمام شركات التأمين، خاصة أن ارتفاع حجم المشروعات وقدراتها الإنتاجية يؤدي إلى زيادة قيمة الأصول المعرضة للمخاطر.

مزارع الرياح.. توربينات عملاقة ومخاطر متصاعدة

شهد قطاع طاقة الرياح تطورا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، مع اتجاه الشركات إلى تصنيع توربينات أكبر وأكثر قدرة على إنتاج الكهرباء، إلى جانب التوسع في إنشاء مشروعات الرياح البحرية.

IMG 20260908 WA0003

وتستحوذ مزارع الرياح البرية على نحو 80% من إجمالي مشروعات طاقة الرياح عالميا، إلا أن زيادة أحجام التوربينات والتوسع في إقامة المشروعات بمناطق معرضة للعواصف والأعاصير والكوارث الطبيعية يرفع مستوى المخاطر التأمينية.

كما تمثل عمليات نقل وتركيب المعدات الضخمة تحديا إضافيا، خاصة في ظل تعقيد سلاسل الإمداد والحاجة إلى معدات متخصصة، وهو ما يجعل التأمين خلال مراحل النقل والإنشاء والتركيب جزءا أساسيا من منظومة حماية المشروع.

أما مشروعات الرياح البحرية، فتفرض تحديات أكثر تعقيدا، نتيجة تنفيذها في بيئات بحرية قاسية ومناطق بعيدة عن الشاطئ، مع الحاجة إلى سفن ومعدات متخصصة للوصول إلى مواقع التوربينات وتنفيذ أعمال التركيب والصيانة.

وترتفع في هذه المشروعات تكلفة الإصلاح والتوقف عن التشغيل، ما يجعل التغطيات التأمينية المتخصصة عاملا مهما للحفاظ على استمرارية الإنتاج وحماية العوائد الاستثمارية.

مزارع الطاقة الشمسية.. الكوارث الطبيعية ليست الخطر الوحيد

تعد الطاقة الشمسية من أسرع مصادر الطاقة المتجددة نموا عالميا، بفضل إمكانية إقامة مشروعاتها بأحجام مختلفة، بداية من الأنظمة الصغيرة فوق أسطح المباني وصولا إلى محطات ضخمة تصل قدراتها إلى مئات الميجاوات.

لكن هذه المشروعات تواجه مجموعة واسعة من المخاطر، يأتي في مقدمتها العواصف والفيضانات والبرق والبرد وحرائق الغابات، والتي يمكن أن تلحق أضرارا بالألواح الشمسية والمحولات والمعدات الكهربائية والبنية التحتية.

كما تشمل المخاطر عيوب التصنيع وأخطاء التركيب والأضرار التي قد تحدث خلال عمليات النقل والشحن، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى المشروعات المقامة في المناطق النائية، وما يترتب على ذلك من تحديات في عمليات الصيانة والإصلاح.

ولهذا، أصبحت شركات التأمين مطالبة بتطوير نماذج أكثر دقة لتقييم المخاطر، بالاعتماد على البيانات المناخية وتحليل احتمالات وقوع الكوارث الطبيعية، إلى جانب توفير تغطيات تحمي الإيرادات في حالات انخفاض الإنتاج الناتج عن الظروف الجوية.

البطاريات.. أكبر فرصة وأخطر تحد جديد

لا يمكن الحديث عن مستقبل الطاقة الشمسية والرياح دون التوقف أمام أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات، التي أصبحت مكونا رئيسيا في مشروعات الطاقة المتجددة.

وتتيح هذه الأنظمة تخزين فائض الكهرباء المنتجة خلال فترات ارتفاع الإنتاج وإعادة ضخها إلى الشبكة عند ارتفاع الطلب، بما يساعد على معالجة مشكلة التقطع الطبيعي في إنتاج الطاقة الشمسية والرياح وتحقيق قدر أكبر من استقرار الشبكات الكهربائية.

1788856544174

وتشير التوقعات إلى إمكانية نمو سوق تخزين الطاقة بالبطاريات بنحو 15 مرة بحلول عام 2030.

لكن هذا النمو يصاحبه ظهور مخاطر جديدة، وفي مقدمتها الانفلات الحراري في بطاريات الليثيوم أيون، والذي قد يؤدي إلى ارتفاع غير مسيطر عليه في درجة الحرارة وحدوث سلسلة من التفاعلات التي يمكن أن تتسبب في حرائق أو انفجارات.

كما تواجه هذه الأنظمة مخاطر الأعطال التشغيلية والهجمات السيبرانية والتوقف غير المخطط، نتيجة اعتمادها على أنظمة متطورة لإدارة الطاقة والأحمال.

وهنا تبرز الحاجة إلى منتجات تأمينية متخصصة قادرة على استيعاب هذه المخاطر الجديدة، بدلا من الاعتماد على التغطيات التقليدية وحدها.

التأمين يواكب دورة حياة المشروع

لم يعد التأمين على مشروعات الطاقة المتجددة وثيقة واحدة تغطي خطرا محددا، وإنما أصبح منظومة متكاملة تمتد عبر دورة حياة المشروع.

فخلال مرحلة النقل، يوفر تأمين نقل البضائع والمعدات حماية للألواح والتوربينات والمحولات والمعدات المختلفة ضد مخاطر التلف أو الفقد أو الحوادث.

وخلال مرحلة الإنشاء، يوفر تأمين جميع أخطار المقاولين حماية من الأضرار المادية التي قد تنتج عن الحريق والانفجار والكوارث الطبيعية وأخطاء التنفيذ والسرقة، مع إمكانية تغطية المسؤولية المدنية تجاه الغير.

أما تأمين جميع أخطار التركيب، فيركز على المخاطر المرتبطة بتركيب المعدات والآلات وإجراء الاختبارات والتشغيل الأولي.

وفي حالة تعرض المشروع لحادث مغطى يؤدي إلى تأخر بدء التشغيل، توفر تغطية تأخر بدء التشغيل حماية من الخسائر المالية الناتجة عن فقد الإيرادات وتأجيل العوائد الاستثمارية.

ومع دخول المشروع مرحلة التشغيل، تظهر أهمية تأمين الممتلكات والمخاطر التشغيلية وتأمين أعطال الآلات، لحماية الأصول والمعدات الرئيسية من الأخطار المختلفة والأعطال المفاجئة.

كما يوفر تأمين توقف الأعمال حماية من خسائر الأرباح والإيرادات الناتجة عن توقف المشروع عن إنتاج الكهرباء، بينما يغطي تأمين المسؤولية المدنية تجاه الغير المطالبات الناتجة عن الأضرار التي قد تلحق بالأشخاص أو الممتلكات.

فرصة جديدة أمام شركات التأمين

ويرى الاتحاد أن التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة يمثل فرصة استراتيجية كبيرة أمام قطاع التأمين، خاصة مع النمو المتسارع في حجم الاستثمارات وعدد المشروعات.

ويؤكد أن طبيعة مشروعات الطاقة الشمسية والرياح وأنظمة تخزين الطاقة تختلف عن مشروعات الطاقة التقليدية، نتيجة اعتمادها على تكنولوجيا متطورة وارتباطها المباشر بالظروف المناخية وسلاسل الإمداد العالمية.

ومن ثم، تحتاج شركات التأمين إلى تطوير قدراتها الفنية والاكتتابية بما يمكنها من تقييم المخاطر بصورة أكثر دقة، وتسعير التغطيات وفقا للطبيعة الفعلية لكل مشروع.

كوادر متخصصة وبيانات أدق

ويبرز الاستثمار في الكوادر الفنية المتخصصة كأحد أهم المتطلبات التي تواجه سوق التأمين، مع الحاجة إلى تدريب مستمر للعاملين على أحدث تقنيات الطاقة المتجددة وأساليب تقييم المخاطر.

كما يمثل الاعتماد على تحليل البيانات والنماذج المناخية المتقدمة عاملا مهما في تحسين جودة الاكتتاب وتسعير التغطيات، خاصة في ظل تزايد تأثير الظواهر المناخية والكوارث الطبيعية على مشروعات الطاقة.

ويحتاج السوق كذلك إلى تعزيز التعاون بين شركات التأمين والمطورين والمستثمرين والخبراء الفنيين والجهات العلمية، بهدف تبادل البيانات والخبرات وتحسين القدرة على تحديد المخاطر قبل وقوعها.

التأمين شريك في مستقبل الطاقة النظيفة

ومع اقتراب العالم من مرحلة تصبح فيها الشمس والرياح والبطاريات مكونات أساسية في منظومة الطاقة، يتغير دور التأمين من مجرد أداة لتعويض الخسائر إلى شريك رئيسي في إدارة المخاطر ودعم الاستثمارات.

فنجاح مشروعات الطاقة المتجددة لا يرتبط فقط بقدرتها على إنتاج الكهرباء، وإنما أيضا بقدرتها على مواجهة المخاطر الطبيعية والفنية والتشغيلية والحفاظ على تدفق الإيرادات.

ومن هنا، يصبح تطوير سوق تأميني متخصص في الطاقة المتجددة ضرورة اقتصادية واستثمارية، وليس مجرد خيار، خاصة مع تضاعف حجم الاستثمارات واتساع نطاق المشروعات وظهور مخاطر جديدة تفرض على شركات التأمين إعادة التفكير في أدوات الحماية التقليدية.

وبينما تتجه الاستثمارات العالمية بقوة نحو الشمس والرياح وتخزين الطاقة، تفتح هذه المشروعات بابا واسعا أمام قطاع التأمين لبناء سوق جديدة تعتمد على التكنولوجيا والبيانات والخبرة الفنية، وتشارك بصورة مباشرة في تأمين مستقبل الطاقة النظيفة واستدامة الاستثمارات المرتبطة بها.

زر الذهاب إلى الأعلى