عاد ملف طرح بنك القاهرة إلى صدارة المشهد الاقتصادي والمصرفي مجدداً بعد سنوات من التأجيلات المتتالية، ليتحول إلى أحد أكثر الملفات حساسية داخل برنامج الطروحات الحكومية. ولا تعود هذه الأهمية الاستثنائية لحجم البنك ومكانته في القطاع المصرفي فحسب، بل لكون العملية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على تنفيذ أكبر صفقاتها في سوق المال خلال السنوات الأخيرة، ومدى جاهزية السوق المصرية لجذب استثمارات جديدة وتوفير سيولة دولارية وتعميق رأس المال السوقي.
⏳ عقدان من المحطات والتحديات (من 2007 إلى 2026)
ظل ملف البنك حاضراً على طاولة الحكومات المتعاقبة دون أن يرى النور منذ استحواذ بنك مصر عليه عام 2007 ضمن خطة شاملة لإعادة الهيكلة:
الأزمة المالية العالمية (2008): كانت أولى المحطات التي أوقفت مشروع البيع أو الطرح.
برنامج الاصلاح الاقتصادي (2016): أعيد إحياء الملف بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، تحول خلالها البنك من مؤسسة خاضعة للهيكلة إلى أحد أكبر البنوك التجارية تحقيقاً لمعدلات نمو قوية في الأصول والودائع والأرباح.
جائحة كورونا (مطلع 2020): أوقفت الترتيبات النهائية للطرح الدولي والمحلي قبل الانطلاق مباشرة.
الحرب الروسية الأوكرانية وشح الصرف (2022–2023): تسببت الاضطرابات الجيوسياسية وخروج الاستثمارات من الأسواق الناشئة وتقلبات سعر الصرف في تعقيد ملفي التقييم والترويج.
🗓️ موعد حاسم وتكليفات رسمية في نوفمبر
مع استقرار سوق الصرف وتحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي، أعلن هاشم السيد، مساعد رئيس مجلس الوزراء والرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة، استهداف بدء الطرح النهائي للشركات المقيدة مؤقتاً قبل نهاية العام الجاري، بالتوازي مع تنفيذ طرح بنك القاهرة خلال شهر نوفمبر المقبل.
وأوضح أن إرجاء الطرح من يونيو إلى نوفمبر جاء بناءً على توصية مستشاري الطرح (سي آي كابيتال وإي إف جي هيرميس)، للاستفادة من تحسن شهية المستثمرين في الربع الأخير وتوفير مساحة أكبر للترويج المؤسسي. وهو ما أكده د. حسين عيسى، نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية، جازماً بعدم وجود أي اتجاه لتأجيل آخر، ومشيراً إلى وجود تنسيق كامل بين البنك المركزي المصري ووزارة الاستثمار والتجارة الخارجية.
💡 تحليل الخبراء: عوامل النجاح والتحديات الهيكلية
تباينت رؤى خبراء سوق المال وبنوك الاستثمار والمصرفيين حول الأبعاد المختلفة للطرح والمرتقب في الربع الأخير:
1. الجاهزية وانخفاض الفائدة
أكد حاتم البنا، العضو المنتدب لشركة «زالدي كابيتال»، أن الظروف الحالية هي الأنسب لتنفيذ الطرح نتيجة تسجيل المؤشرات الرئيسية مستويات تاريخية وارتفاع متوسطات التداول اليومية. وأشار إلى أن بدء دورة التيسير النقدي وانخفاض الفائدة يزيدان من جاذبية الأسهم كبديل لأدوات الدخل الثابت، كما يعززان تقييم البنك عبر خفض معدلات الخصم المالي المستخدمة في نماذج القيمة العادلة.
2. معادلة التقييم والتوقيت
أوضح سيف عوني، رئيس مجلس إدارة «إيليت للاستشارات المالية»، أن نجاح الطرح يتوقف على الوصول إلى تسعير عادل يحقق التوازن بين رغبة الدولة في تعظيم العائد وزيادة شهية المستثمرين. وأشار إلى أن الاعتماد الأكبر سيكون على شريحة الطرح الخاص للمؤسسات الاستثمارية، ورجح أن تكون التأجيلات السابقة مرتبطة بمفاوضات استثمارية غير معلنة.
3. الحصيلة الدولارية والهيكلة الدولية
من جانب آخر، طرح د. محمد عمران، العضو المنتدب لشركة «توسع للاستشارات»، رؤية تحذيرية مفادها أن الاقتصار على طرح محلي فقط قد لا يحقق الهدف الرئيسي للبرنامج والمتمثل في جذب تدفقات أجنبية مباشرة. وأوضح أن الخطة الأصلية القائمة على طرح شهادات إيداع دولية (GDRs) تتطلب إعادة إعداد القوائم المالية وفق المعايير الدولية وتنعكس مباشرة على القوائم المالية للمساهمين الرئيسيين (بنك مصر ووزارة المالية).
4. المصداقية واستمرار التداول
شدد نور الدين محمد، العضو المنتدب لشركة «تارجت القابضة»، على أن استمرار التأجيل يبعث برسائل سلبية للمستثمرين، وأن تنفيذ الصفقة بات ضرورة للحفاظ على مصداقية البرنامج الحكومي طالما تجاوز البنك مراحل الجاهزية التشغيلية والمالية. واتفق معه هاني أبوالفتوح، الخبير المصرفي، مؤكداً أن القيمة المتوقعة للطرح تفوق عدة مرات طروحات سابقة مثل «المصرف المتحد»، وأن المعيار الحقيقي لنجاح الصفقة لن يتوقف عند لحظة الاكتتاب، بل بقدرة السهم على الحفاظ على مستويات مرتفعة من السيولة بعد الإدراج.
5. عمق السوق والتسويق الخارجي
لفتت داليا السواح، عضو مجلس إدارة البورصة المصرية، إلى أن إدراج البنك يعزز عمق القطاع المصرفي ويرفع القيمة السوقية للبورصة، مشددة على ضرورة إطلاق حملات ترويجية واسعة لاستقطاب سيولة خارجية جديدة. وهو ما أيّده حسام عيد، خبير أسواق المال، مؤكداً أن النجاح يعتمد على التسعير العادل والترويج الفعال وإعلان جدول زمني شفاف للشركات التالية، لتوفير سيولة تساهم في تخفيف أعباء خدمة الدين العام ودعم أهداف التنمية.



