التأمين المستدام على مائدة الاقتصاد الأخضر.. كيف تواجه الشركات مخاطر المناخ وتحمي استثمارات المستقبل؟

كتب / طارق الحديوى
تتجه صناعة التأمين إلى مرحلة جديدة من التطور مع تسارع التحول العالمي نحو الاقتصاد منخفض الكربون، الذي يفرض على الشركات إعادة تقييم المخاطر التقليدية والتعامل مع تحديات متزايدة ترتبط بالتغيرات المناخية والتوسع في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد التأمين مجرد وسيلة لتعويض الخسائر، بل أصبح أداة مهمة لحماية الاستثمارات وتعزيز قدرة المشروعات على الاستمرار وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ويمنح هذا التحول شركات التأمين فرصا لتطوير منتجات متخصصة وتوسيع قاعدة أعمالها، لكنه يفرض عليها أيضا ضرورة تحديث نماذج تقييم الأخطار والتسعير، والاستثمار في الخبرات الفنية والبيانات، بما يواكب طبيعة المشروعات الجديدة والتغيرات المتسارعة في البيئة الاقتصادية والمناخية.
تغير المناخ يعيد ترتيب أولويات شركات التأمين

تفرض الزيادة في حدة بعض الظواهر المناخية، مثل السيول والفيضانات والعواصف وموجات الحرارة الشديدة، ضغوطا متزايدة على أسواق التأمين، نتيجة ما قد تسببه من أضرار للممتلكات والمنشآت والبنية التحتية، فضلا عن الخسائر الناتجة عن توقف الأنشطة الاقتصادية.
وتدفع هذه المخاطر شركات التأمين إلى تطوير آليات أكثر دقة لتحديد احتمالات الخسائر وحجمها، بدلا من الاعتماد الكامل على البيانات التاريخية، التي قد لا تعكس بصورة كافية طبيعة المخاطر المستقبلية في ظل تغير الأنماط المناخية.
كما تزداد أهمية التغطيات التأمينية التي لا تقتصر على الأضرار المادية، وإنما تمتد إلى الخسائر الناتجة عن توقف الأعمال، وفقا لشروط الوثائق، بما يساعد الشركات على استعادة نشاطها وتقليل الآثار المالية للحوادث الكبرى.
وفي مصر، يرتبط التعامل مع هذه التحديات بأهداف الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050، التي تستهدف تعزيز القدرة على التكيف مع الآثار المناخية، ودعم التنمية المستدامة، وتحسين إدارة الموارد.
الطاقة النظيفة تخلق احتياجات تأمينية متخصصة
يمثل التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أحد أبرز المجالات التي تفتح آفاقا جديدة أمام شركات التأمين، خاصة أن هذه المشروعات تعتمد على أصول ومعدات مرتفعة القيمة، وتحتاج إلى حماية تأمينية خلال مراحل الإنشاء والتركيب والتشغيل.
وتشمل الحلول التأمينية المناسبة تغطية أخطار المقاولين والتركيب، والأضرار التي قد تلحق بالمعدات والمنشآت، وأعطال الآلات، والمسؤولية المدنية تجاه الغير، فضلا عن التأمين على الخسائر الناتجة عن توقف التشغيل أو تأخر بدء النشاط متى شملتها الوثائق.
ويجسد مجمع بنبان للطاقة الشمسية في أسوان، الذي تبلغ قدرته الإجمالية 1465 ميجاوات، أهمية توفير حلول تأمينية قادرة على مواكبة المشروعات الكبرى في قطاع الطاقة المتجددة.
وتتطلب هذه المشروعات تقييما فنيا يأخذ في الاعتبار طبيعة التكنولوجيا المستخدمة، وظروف الموقع، ومخاطر التشغيل والصيانة، ومدى توافر قطع الغيار والخدمات الفنية، بما يساعد على تحديد التغطيات المناسبة وتقدير الأخطار بصورة أكثر كفاءة.
الهيدروجين الأخضر يفتح بابا جديدا أمام التأمين
مع تنامي الاهتمام بالهيدروجين الأخضر، تبرز الحاجة إلى حلول تأمينية تتناسب مع المشروعات المرتبطة بإنتاجه وتخزينه ونقله واستخدامه في الأنشطة الصناعية.
وتتسم هذه المشروعات بتعقيدات فنية تستلزم دراسة دقيقة للمعدات وأنظمة التشغيل وإجراءات السلامة، إلى جانب تقييم احتمالات الأعطال والحوادث والمسؤوليات التي قد تنشأ عنها.
ويمثل هذا المجال فرصة أمام شركات التأمين لتوسيع خبراتها في تغطية التقنيات الحديثة، إلا أن الاستفادة منه تتطلب تطوير المعرفة الفنية، والاستعانة بالخبراء المتخصصين، وبناء نماذج لتقييم المخاطر تتناسب مع طبيعة كل مشروع.
كما تزداد أهمية التعاون بين شركات التأمين والمستثمرين والجهات الفنية منذ المراحل الأولى لتصميم المشروعات، بما يتيح تحديد المخاطر المحتملة مبكرا، ودمج متطلبات الحماية وإدارة الأخطار في خطط التنفيذ والتشغيل.
الاستثمار الأخضر يعزز دور شركات التأمين
لا يقتصر تأثير التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون على النشاط التأميني، بل يمتد إلى السياسات الاستثمارية لشركات التأمين، التي تدير محافظ مالية تحتاج إلى الموازنة بين العائد والمخاطر والالتزامات المستقبلية تجاه العملاء.
وفي هذا الإطار، تبرز السندات الخضراء وأدوات التمويل المستدام باعتبارها وسائل يمكن أن تسهم في توجيه الاستثمارات إلى مشروعات الطاقة النظيفة والبنية التحتية المستدامة وكفاءة استخدام الموارد.
كما تكتسب معايير البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة أهمية متزايدة عند تقييم الاستثمارات، لما توفره من إطار يساعد على دراسة المخاطر المرتبطة بالأداء البيئي والاجتماعي والإداري للمؤسسات.
ومع ذلك، فإن الاستثمار الأخضر لا يعني بالضرورة تحقيق عوائد أعلى أو انخفاض المخاطر في جميع الحالات، إذ تظل القرارات الاستثمارية بحاجة إلى تحليل مالي دقيق، وتقييم مستقل للجدوى، وقياس واضح للأثر البيئي الفعلي للمشروعات.
المسؤولية البيئية تدعم نمو منتجات التأمين المتخصصة

تتزايد أهمية التأمين على المسؤولية البيئية في ظل الحاجة إلى الحد من التلوث وحماية الموارد الطبيعية، خاصة في القطاعات التي قد تتسبب أنشطتها في أضرار للتربة أو المياه أو الممتلكات المحيطة.
وتوفر هذه التغطيات، بحسب شروطها وحدودها واستثناءاتها، حماية مالية من بعض المطالبات والتكاليف المرتبطة بحوادث التلوث، بما يساعد المنشآت على إدارة جانب من التزاماتها البيئية.
ويكتسب هذا النوع من التأمين أهمية في ضوء التشريعات المنظمة لحماية البيئة في مصر، وفي مقدمتها قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته.
وتظل فعالية التأمين البيئي مرتبطة بوضوح المسؤوليات القانونية، ودقة تقييم المخاطر، وتوافر المعلومات المتعلقة بطبيعة النشاط والمواد المستخدمة واحتمالات التلوث، إلى جانب التزام المنشآت بإجراءات الوقاية والسلامة.
السيارات الكهربائية تفرض معايير جديدة للتغطية
يمثل انتشار السيارات الكهربائية وتطوير محطات الشحن والبنية التحتية المرتبطة بها تحديا وفرصة في الوقت نفسه أمام سوق التأمين، نظرا لاختلاف طبيعة هذه المركبات عن السيارات التقليدية من حيث البطاريات والأنظمة الإلكترونية وتكاليف الإصلاح.
ويحتاج تطوير المنتجات التأمينية لهذا القطاع إلى فهم أدق للمخاطر المرتبطة بالبطاريات وأنظمة الشحن، وتوافر الخبرات الفنية اللازمة لتقييم الأضرار، وتحديد تكاليف الإصلاح والاستبدال.
كما تمتد الفرص إلى تأمين محطات الشحن والمعدات والمنشآت الداعمة للنقل الكهربائي، مع مراعاة المخاطر التشغيلية والطبيعية التي قد تؤثر على استمرارية الخدمات.
نقص البيانات يعرقل دقة التسعير
رغم اتساع الفرص المرتبطة بالتأمين الأخضر، تواجه الشركات تحديا أساسيا يتمثل في محدودية البيانات التاريخية لبعض الأنشطة والتقنيات الحديثة، وهو ما يصعب معه تقدير احتمالات الخسائر بدقة كافية.
وتزداد صعوبة التقييم مع تغير المخاطر المناخية والتطور التكنولوجي، الأمر الذي يتطلب تحديث نماذج الاكتتاب والتسعير بصورة مستمرة، وعدم الاعتماد على افتراضات ثابتة لا تواكب المتغيرات الجديدة.
وتشمل متطلبات تطوير السوق الاستثمار في تدريب الكوادر المتخصصة، وتعزيز التعاون مع خبراء المناخ والهندسة والبيئة، وتبادل البيانات والخبرات، والاستفادة من الممارسات الدولية في إدارة المخاطر.
التكنولوجيا تعزز كفاءة إدارة الأخطار
تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات فرصا لتحسين قدرة شركات التأمين على دراسة المخاطر المناخية والتشغيلية، من خلال تحليل المعلومات الجغرافية والبيئية وبيانات الأصول والمشروعات.
ويمكن لهذه الأدوات أن تدعم قرارات الاكتتاب، وتساعد في تحديد المناطق الأكثر تعرضا للمخاطر، وتحسين تقدير الخسائر المحتملة، وتسريع التعامل مع المطالبات عند توافر البيانات اللازمة.
لكن تحقيق الاستفادة الفعلية من التكنولوجيا يتطلب التأكد من جودة البيانات المستخدمة، ومراجعة النماذج التحليلية، والإبقاء على دور الخبراء في تفسير النتائج واتخاذ القرارات، خاصة في المشروعات التي تتسم بمخاطر فنية معقدة.
السوق المصرية تحتاج إلى رؤية متكاملة للتأمين الأخضر
يمتلك قطاع التأمين المصري فرصة لتعزيز دوره في دعم التحول المستدام من خلال تطوير منتجات تتناسب مع مشروعات الطاقة المتجددة، والتأمين على المخاطر المناخية والبيئية، وتوسيع الخبرات المرتبطة بالتقنيات الجديدة.
ويتطلب ذلك تنسيقا أكبر بين شركات التأمين والجهات المنظمة والمستثمرين، إلى جانب دعم التدريب المتخصص وتطوير أدوات تقييم الأخطار ونشر الوعي بأهمية التأمين في حماية الاستثمارات.
كما يمكن لاتحاد شركات التأمين المصرية الإسهام في تعزيز تبادل الخبرات، ومناقشة التحديات الفنية والتنظيمية، وتشجيع تطوير حلول تأمينية تستجيب لاحتياجات السوق المتغيرة.
ويظل نجاح التأمين الأخضر مرهونا بقدرة الشركات على الانتقال من التعامل التقليدي مع الخسائر إلى إدارة استباقية للمخاطر، تجمع بين التقييم العلمي والابتكار التكنولوجي والخبرة الفنية. فكلما امتلك القطاع أدوات أكثر دقة لفهم المخاطر الجديدة، أصبح أكثر قدرة على حماية المشروعات ودعم الاستثمارات المستدامة وتعزيز مرونة الاقتصاد أمام التحديات المناخية.



